في هشاشة مسوّغات بريطانيا عن "إرهابيَّة حماس"

في هشاشة مسوّغات بريطانيا عن "إرهابيَّة حماس"

22 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أعلنت الحكومة البريطانية عزْمَها تصنيف حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، من دون تمييز بين جناحيها العسكري والسياسي، حركةً إرهابية. ويستند مشروع القانون إلى ذريعتين رئيستين: طابعُ الحركة المُعادي للسامية، قدرتُها العسكرية المتطوَّرة، مع قدرتها على تدريب إرهابيِّين. ولا يخفى أنهما ذريعتان واهيتان؛ من جهة انطباقهما على حركة حماس، وأنَّ الحكومة البريطانية إنما تحاول، بسَوْق ذينك المُسوِّغين اللذين يحظيان برواج عالمي، ويتمتَّعان بتعبئة واسعة، أنْ تُعفي نفسَها من تهمة الانحياز السياسي، ومجافاة العدالة، وحتى القانون الدولي.
أما المسوّغ الأول، وهو ذريعة معاداة "حماس" السامية، فيفنِّده خطابُ الحركة الرسمي، بالإضافة إلى مواقفها المتتابعة. فقد جاء في "وثيقة المبادئ والسياسات العامَّة" التي أصدرتها الحركة، عام 2017، في البند السادس عشر: "تؤكِّد حماس أنَّ الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا مع اليهود بسبب ديانتهم؛ وحماس لا تخوض صراعًا ضد اليهود لكونهم يهودًا، وإنَّما تخوض صراعًا ضدَّ الصهاينة المحتلِّين المعتدين؛ بينما قادة الاحتلال هم من يقومون باستخدام شعارات اليهود واليهودية في الصراع، ووصف كيانهم الغاصب بها". وتوالت مواقف "حماس"، بما لا يتعارض مع هذا البند، إذ انصبَّ هجومُها على الاحتلال، أو على إسرائيل، بوصفها دولةً محتلة، لا على اليهود، والديانة اليهودية، ولم تستهدف اليهود في أنحاء العالم؛ لمجرّد أنهم يهود، بل إنها حصرت أعمالها النضالية في حدود فلسطين.

الحركة الصهيونية، التي تمكّنت من احتلال فلسطين برعاية القوى الغربية، هي النموذج الأخطر للاحتلال الاستيطاني

 ولم تقتصر حركة حماس، في موقفها من معاداة السامية على نفسها، وصراعها مع الاحتلال، وبسبب الاحتلال، دون اليهود لكونهم يهودًا؛ فأضافت إلى البند السابق بندًا يستنكر أيَّ معاداةٍ على أساسٍ ديني، موضحةً المَنْشأ الأوروبي لمفهوم معاداة السامية؛ فجاءت في البند السابع عشر، من الوثيقة، على رفضه، بشكل عام: "ترفض حماس اضطهاد أيّ إنسان، أو الانتقاص من حقوقه على أساس قومي، أو ديني، أو طائفي، وترى أنَّ المشكلة اليهودية والعداء للسامية واضطهاد اليهود ظواهر ارتبطت أساسًا بالتاريخ الأوروبي، وليس بتاريخ العرب والمسلمين، ولا مواريثهم. وأنَّ الحركة الصهيونية، التي تمكّنت من احتلال فلسطين برعاية القوى الغربية، هي النموذج الأخطر للاحتلال الاستيطاني، الذي زال عن معظم أرجاء العالم، والذي يجب أنْ يزول عن فلسطين". 
أما الذريعة الثانية، الإرهاب، فالثابت أنَّ "حماس" هي حركة مقاومة، للاحتلال، وهي تحاجِج، باستمرار، كما ورد في تعليقها الرسمي على مشروع القانون البريطاني بأنَّ "الاحتلال هو الإرهاب، ومقاومته هي حقٌّ مكفولٌ للشعوب، تحت الاحتلال، في القانون الدولي، بكلِّ الوسائل المتاحة، بما فيها المقاومة المسلَّحة". ومن الشواهد الواضحة في ممارساتها أنها تتجنّب إيقاع الضحايا بالمدنيِّين، مقابل ما ارتكبته دولةُ الاحتلال، بقوّتها الفائقة، والمفرطة، بحقّ المدنيِّين ومساكنهم، وحتى المؤسَّسات الإعلامية، وخصوصًا في قطاع غزة، كما في المواجهة العسكرية أخيرا في مايو/ أيار الماضي، غير المتكافئة، إذ تعمّدت حركتا حماس والجهاد الإسلامي إنذار الإسرائيليين، قبل إطلاقهما الصواريخ، ولم تكن حركات المقاومة في غزة تستهدف الأبراج السكنية، كما فعلت قوّات الاحتلال، بقدر ما أرادت إرسال رسائل ردع، وإرباك، وضغط، في حين لم يكن القصف الاحتلالي، بالطائرات الحربية، يُسبَق، دائمًا، بإنذارات، إذ استهدف أبراجًا سكنية، بشكل مفاجئ، ومن دون سابق إنذار. فلو كانت الملابسات التي جرت في المواجهات والاعتداءات الاحتلالية على القطاع (وغيره) سببًا للإدانة بالإرهاب، فإنَّ دولة الاحتلال، ينبغي أن تُشمَل به، قطعًا. وهي غيرُ بعيدة، حتى وَفْق تقارير دولية، عن اقتراف جرائم حرب، وغير بريئة، بالتالي، من جريمة "إرهاب الدولة".

أقامت بريطانيا معادلة بالغة الظلم؛ بين حقِّ "الشعب اليهودي" بـ"وطن قومي" في فلسطين، مقابل ما اعتبرته "طوائف غير يهودية" مقيمة في فلسطين

ولا يبدو سلوك إسرائيل مثيرًا للإعجاب، حتى من دولٍ غربية، ومن أقرب أصدقائها من تلك الدول، فعلى سبيل المثال، أدرجت السلطاتُ الأميركية الشركةَ الإسرائيلية التي تقف وراء صناعة برنامج التجسُّس، سيئ السمعة، "بيغاسوس"، على القائمة السوداء. وتحوم الشبهات حول مسؤولية للحكومة الإسرائيلية عن تلك البرمجيات، فقد قالت منظَّمة مراسلون بلا حدود، المدافعة عن حرية الصحافة، في بيان: إنّ "البرمجيات مثل بيغاسوس تشير بوضوح إلى تورُّط دولة إسرائيل"، وأضافت "حتى لو لم يكن للسلطات الإسرائيلية سوى دور غير مباشر، فلا يمكنها الهروب من مسؤوليتها".
هذا، ولا تنفرد بريطانيا بتصنيف "حماس" حركة إرهابية، إذ تدرجها الولاياتُ المتحدة على قوائم الإرهاب. أمَّا أوروبا، فقد تنقّلت من وصْمِها بالإرهاب إلى تبرئتها منه، عدّة مرّات، ثم انتهت، في شهر سبتمبر/ أيلول من عام 2019، إلى رفعها من قوائم الإرهاب. وكان الموقف الأوروبي، بعد المواجهة بين الاحتلال وفصائل المقاومة في غزة، في شهر مايو/ أيار الفائت، أنه يمكن للاتصالات الأوروبية مع "حماس" أنْ تتم، بشكل مباشر، أو غير مباشر. وصرّحت، وقتها، المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، إن "المحادثات غير المباشرة" مع حركة حماس ضرورية لإعطاء دفع للجهود الهادفة إلى إنهاء العنف. وأضافت: "بالطبع، يجب ضمُّ حماس (إلى المحادثات)؛ لأنه من دونها لن يكون هناك وقف لإطلاق النار". إلا أن لبريطانيا خصوصية تاريخية، تنبع من مسؤوليتها في التسبُّب بالمأساة الفلسطينية المستمرَّة، بإصدارها وعد بلفور، في العام 1917 الذي قوّض الوجود الفلسطيني، وشرَّع لتصفية الشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية والسياسية، مقتصرًا على حقوق مدنية، ودينية، فقد أقامت بريطانيا معادلة بالغة الظلم؛ بين حقِّ "الشعب اليهودي" بـ"وطن قومي" في فلسطين، مقابل ما اعتبرته "طوائف غير يهودية" مقيمة في فلسطين؛ لا ينبغي الإضرار، فقط، بـ "حقوقها المدنية والدينية".

بريطانيا لا تتعاطى مع الصراع العربي الإسرائيلي، في سياقه الحقيقي، تاريخيّاً، وواقعيّاً، ولا تنسجم حتى مع مواقفها الرسمية

ويأتي مشروع القرار بتصنيف "حماس" حركة إرهابية، بعد شروع الجالية الفلسطينية، في بريطانيا، بإجراءاتٍ قانونيةٍ وسياسية، ترمي إلى الضغط على الحكومة، في لندن، بأنْ تقدِّم اعتذارًا علنيًّا عن وعد بلفور، وتتوقَّف عن تقديم أيِّ دعم لدولة الاحتلال الإسرائيلي. وبغضّ النظر عن النتائج العملية المتوقَّعة لهذه الجهود، إلا أنها تعيد التذكير بمسؤولية بريطانيا عن المأساة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، ومعاناته المتواصلة في فلسطين، وفي الشتات. كما يأتي هذا المشروع بعد تنامي الانتقاد لدولة الاحتلال، في بريطانيا، وسياساتها العنصرية، وفي أجدد التجليّات، طردُ الطلبة، في جامعة لندن للاقتصاد، السفيرة الإسرائيلية في لندن، تسيبي حيتبلي، والتي سبق أنْ شغلت منصب وزيرة المستوطنات في الحكومة الإسرائيلية، وذلك بعد أن تلقَّت الجامعة المرموقة طلبًا موقّعا من 500 طالب من مختلف الجامعات في لندن، يطالبون فيه بعدم استضافة السفيرة. 
وبريطانيا، في هذا التوجُّه، لا تتعاطى مع الصراع، في سياقه الحقيقي، تاريخيًّا، وواقعيًّا، وهي لا تنسجم حتى مع مواقفها الرسمية، فهي تعارض سياسات الاستيطان، وتعتبرها غير قانونية، ثم هي تحاول الحدَّ من انتقادات دولة الاحتلال، وتزجّ ذلك في معاداة السامية، في تساوُقٍ مستهجَنٍ مع مزاعم قادة الاحتلال.