في نُصرة شاعرَيْن عراقيين

15 اغسطس 2026

وليد الصراف (يمين) وخالد الحسن في مهرجان دمشق الدولي الأول للشعر العربي

ما يُرمى به العراقيان، الشاعران وليد الصرّاف وخالد الحسن، في بلدهما، منذ عادا، أخيراً، من مشاركتيْهما في مهرحان دمشق الدولي الأول للشعر العربي، خطيرٌ ومقلق. فضلاً عن أنه شاهدٌ مُضافٌ على وجوه خرابٍ شنيعٍ في الحالة العربية. ولنا، في هذا الموضع، أن نخاف عليهما، بالنظر إلى أن التحريض السيئ ضدّهما لا يُخفي بواعثه الطائفية المذهبية المقيتة، فالزعم إنه كان مهرجان دواعش ما دُعُوا إليه وقرأوا قصائدهم فيه يستنفرُ، في العراق الراهن، عصبيّاتٍ عمياء، ويرخّص لحمقى غير قليلين استهدافاً للشاعريْن المجدّيْن، حماهما الله ونجّاهما. وقد زاد أولئك في القول الرخيص عندما اتّهموهما بأنهما تجاهلا دماء الأبرياء الذين استباحتهم عصابات "القاعدة" وأخواتها. ولمّا كنّا هناك، في قاعة الأوبرا في دمشق، وسمعنا الشاعريْن، فإن أرطالاً من العجب تغشانا من فائض الكذب والتدليس عليهما، فلم يأتيا شيئاً مما يُدّعى به عليهما. وقد راقتْنا، إلى مدىً باهظ، حافظةُ الشاعر وليد الصرّاف، الإعجازية من دون تزيّد، وهو يرمي علينا شعره من ذاكرته لا من أوراقٍ قدّامه. والرجل شاعرٌ كبير، لا شك، في متانة عبارته وقوّة كلاسيكيته. صفّقنا له إعجاباً باسترساله المطوّل في قصيدِه الذي يتجلى فيه الشعر ثقيل العبارة قوي الإيقاع، يأخُذُك إلى عظماء الشعر العربي القديم. وأجاد الشاعر خالد الحسن فيما ألقى من حافظته، ووازى بين سورية والعراق محبّةً وإخاءً، ولمّا قال إنه لم يبع البلاد "لمن جاءوا من الشرق ريحاً تنهب الشجرا"، لم يشتم أياً من أبناء بلده، لا في الجنوب ولا في غيره. وله أن يقول ما يقول عن غيرهم ممن يتدخّلون في العراق ويخرّبون فيه، ولأيٍّ أن يُعجبه هذا أو لا يعجُبه. غير أن ما يأتي به شعرُه هنا لا يجيز السفاهة التي جاءها بعضُهم، لمّا ابتذلوا من رخيص الكلام بذاءةً تنمّ عن انعدام أخلاقٍ لديهم. 
كذبوا على وليد الصرّاف وخالد الحسن أنهما صافحا الرئيس أحمد الشرع. وهذا لم يحدُث، ولو حدث ما ضرّ أبداً. وشتموا، في حسابات وهمية وغير وهمية، منبر المهرجان بأنه "مليء بالكراهيات من كل نوع"، غير أن الذي سُمع على منصّته قصيدٌ كثيرٌ مليءٌ بحبّ الشام وأهلها، وبحبّ العراق وناسه، وبحبّ كل بلد عربي. ولم تُشهَر فيه أي مفردةٍ من معجم الصفاقة ضد أي أحد. لكن الحملة ضد المهرجان والمشاركين فيه وضيوفه والقائمين عليه، وضد العراقييْن النجيبيْن، الصرّاف والحسن، نشطت في التقويل والتأويل والتأليف والتخوين والتزييف، بمليشياويةٍ موتورة، ليس فقط في التأليب على "شاعري الجولاني"، بل أيضاً في نزع عراقيّة الرجلين عندما يجري تصنيفُهما في ضفةٍ سياسيةٍ معادية، وهما ليسا كذلك، ولم يشغلهما، في الشام مع زملائهما الشعراء السوريين والعرب، الشأنُ السياسيُّ وألوانُه، وإنما الاحتفاء بفائض المحبّة والألفة بين الذين اجتمعوا على حبّ سورية التي تحاول قيامتها، وتحتاج من كل عربيٍّ إسنادها في هذا.
إنها ثقافة النقد تكاد تموت في المشرق العربي. لا بأس من نقد مهرجان دمشق الأول للشعر العربي والنزوع المحافظ فيه، بل ونقد شِعرَي وليد الصرّاف وخالد الحسن. فثمّة عطشٌ غزيرٌ إلى كل نقدٍ حرّ، ومحترم، وفيه أناقة الشجعان الفاهمين العارفين. هذا النقد نادر، يكاد يكون مفقوداً. بدلاً منه، هذه حفلات الشتائم الوضيعة. وبالتوازي معها تعمل عملها الثقافة الطائفية المذهبية، القاتلة في وصف لها جائز، وتنبعث منها الكراهيات التي يحترفها طرفان، الذي هنا والذي هناك. ومن وظائف الفنون والإبداعات الأدبية أن تُشيع الجمال والسؤال، وهذان أمران لا موضع لهما في مطارح الركاكات إيّاها في ساحات التواصل غير الاجتماعي، ليسا من شواغل من تستبدُّ بهم الطائفية الرثّة، والمذهبية المتعصّبة، لدى من يغويهم تبخيس المختلفين والتجرّؤ عليهم، بحقاراتٍ وشتائم وجرائم قول مشهودة. 
للحقّ، كانا، وليد الصرّاف وخالد الحسن، على مناقبيةٍ عالية، فلم ينصرفا إلى ردودٍ منفعلةٍ ومتوترة. ولهما منّا، نحن من سُعدنا بمعرفتهما والاستماع إليهما في دمشق، حُسن التحيات، مع التمنيات بأن يرعاهما ربُّ البرية بعنايته ورحمته.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.