في نعي الحركة الوطنية الفلسطينية
(سليمان منصور)
أبدعُ ما كان في منتدى فلسطين الذي اختَتم أعمال دورته الرابعة في الدوحة الاثنين الماضي أنك، أنت الصحافي، الذي تعرف أسماء كل السياسيين المشتغلين في الشأن الفلسطيني، لا تعرف أسماء غالبية الباحثين والباحثات الفلسطينيين الذين ساهموا بأوراقهم في موضوعات المنتدى وقضاياه المتخصّصة، وهم ثلاثينيون وعشرينيون (بينهم في مطالع الأربعينيات)، منشغلون في الدرس الأكاديمي في جامعات ومعاهد ومراكز في غير بلد عربي وأجنبي. وللاحتراس فقط، قليلون جدّاً، من بين نحو 120 مشاركاً في أكثر من 35 جلسة، من أصدقائنا ومعارفنا، ستّينيون وخمسينيّون. ولك أن تغتبط، وبفرحٍ مضاعف، بمستوى الجدّية العالية، وبالروح العلمية في كثيرٍ من أوراقٍ ومشاركاتٍ في أوراش نقاش، أوجزَها أصحابُها، وخاضوا بشأنها حواراً مع من سألوا وساءلوا، ونقدوا وانتقدوا، من الحضور والجمهور. ولمّا طافت بحوثُ بعضٍ غير قليلٍ من أصحاب هذه المساهمات في وقائع وظواهر ومستجدّات عوينت في غضون حرب الإبادة (حضرت أبحاثٌ عن تاريخ مضى)، ولمّا تعلّقت هذه الجهود المعرفية بساحات الرأي العام بشأن فلسطين في عدّة بلدان أجنبية، ولمّا خيض في الزراعة والإعمار والمياه والتعليم وشؤون المجتمع المحلي في قطاع غزّة، وكذا في راهن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره، ولمّا راحت أوراقٌ إلى "المحو الرقمي" و"الإبادة الرقمية"، وإلى التحريض على الفلسطينيين في زمن الذكاء الاصطناعي، ولمّا جاءت مقارباتُ هذه القضايا (وغيرها كثير) بحماس المعنيين بالمعرفة بوصفها فعل مقاومة، وبنشاط المشتبكين بالقضية الفلسطينية وآفاقها والتحدّيات الثقيلة أمامها، فإنك، لهذه الأسباب (وغيرها)، لن تقع في أي شططٍ لو رأيتَ أن هذا الملعب هو ساحة العمل الوطني الفلسطيني في الحاضر والمستقبل المنظور، أي فضاء المعرفة والبحث والحضور في العالم باستثمار كل ممكنات تطوّر الخوارزميات وشبكات التواصل الحديثة، الرقميّة خصوصاً، مع القوى الحية في دول كبرى وصغرى.
ولعلها مفارقة كاشفة، وباهظة الدلالة، أن يُختتم المنتدى بجلسة مثقفين وباحثين في السياسة وعلومها ما لا تجاوزَ في وصفه نعياً للحركة الوطنية الفلسطينية، بلغةٍ رماها صديقُنا أحمد غنيم، منتقداً، بأنها جنائزية. ومع كل أسباب الوجاهة في ذهاب هاني المصري وطارق حمّود وأحمد عزم وليلى فرسخ إلى ما ذهبوا إليه في تشخيص راهنٍ بائسٍ للمشروع الوطني الفلسطيني، فإنه في محلّه اجتهاد بعضهم بشأن هذا النعي اللازم، والذي يتوازى مع أفقٍ يعد به جيلٌ شابٌّ نشطٌ محتكٌّ بالعالم، ويعرف أدواته، ومشغولٌ بتعليم الفلسطينيين في أرضهم، وطبابتهم ومياههم، مهجوس بهم باعتبارهم بشراً لهم الحق في الحياة، وليس بحقهم في تقديم التضحيات، ومعنيٌّ، بداهة، بالسؤال السياسي المتعلّق بهم، ولا ينفق وقته في سؤال نزع سلاح "حماس" في غزّة وعدم نزعه، بل ينتبه إلى أن مسالك النضال الفلسطيني ليست هنا، ما دام أن عموماً عريضاً بين أهل غزّة والضفة الغربية يتوق إلى الخروج من اختناقات الحياة الصعبة هناك، وإلى أمنٍ وأمان يحرمهما العدو الإسرائيلي منهما، سيّما في ذروة توحّشه الراهن.
... كان هاني المصري وطارق حمّود محقّين في نعي الحركة الوطنية الفلسطينية، سيّما أنهما لم يكونا ندّابين، بل قرَنا قول ما قالاه بتصوّراتٍ عمليةٍ لفتح مسارات جهودٍ مختلفة، تتطلب صنع حقائق أخرى، وكفاحاً من أجل وحدة فلسطينية مشتهاة. وفي العموم، لا مدعاة للحرج من أن تُنعى الحركة الوطنية الفلسطينية، وأدوات عملها الراهنة على ما نرى ونعرف، وقد أخفق اثناهما، التسووي والمُقاتل، فالمسألة لا تتعلق بما قدّم هذا الفصيل وذاك من بطولاتٍ مقدّرة (وهذا لا يجوز أي خلاف بشأنه)، ولم يعد الفلسطيني يحتمل تقديم تضحياتٍ وبطولاتٍ في مقابل انعدام أي إنجازات. ولم يكن عزمي بشارة يطعن في بسالة من قاموا بعملية 7 أكتوبر الهجومية، عندما قال في المنتدى إن ما صار بعد عاميْن من حرب الإبادة معاكسٌ تماماً لأهداف العملية، كما أعلنتها قيادة كتائب الشهيد عز الدين القسّام.
ستبقى القضية الفلسطينية حيّة، مهما بلغ التردّي في الحال الفلسطيني، غير أن نعي الحركة الوطنية جائزٌ (ولمن أراد المساجلة له أن يفعل) بما هي عليه من كلاسيكيّة ورتابة في أدائها وإيقاعات خطابها، ومن بؤسٍ في انقساماتها، ومن اهتراءٍ في بُناها. والآمال كبيرةٌ وواعدةٌ (لم لا نتفاءل؟) في نخبةٍ فلسطينيةٍ مستجدّةٍ قيد التشبيك بعضها مع بعض، من قماشة الذين سمعنا لهم في المنتدى، نخبةٍ تُحارب على جبهة المعرفة ومعركة التضامن العالمي، والراجح أن فلسطين ستنتصر فيهما.