في معنى لطف الله
(عبد الله مراد)
لطفُ الله لا يأتي دائماً كما نحب، بل كما نحتاج. يأتي أحياناً على هيئة منع وتأخير وخيبة تنقذك بصمت. ثم تلتفت بعد حين… فتفهم أن ما حسبته قسوة، كان نجاة.
بهذا يمكن للمرء أن يفتح باباً واسعاً للتأمل في معنى اللطف، حين لا يشبه الصورة التي رسمها له مسبقاً، وحين يتقدّم في حياته وهو يظن أن العطاء لا يكون إلا وافراً مرئياً سريعاً، وأن الخير لا بد أن يأتي محمولاً على الفرح المباشر والنتائج الواضحة. غير أن التجربة، وهي أصدق معلّم، تعلّمنا أن اللطف أعمق من ذلك بكثير، وأنه يتسلل إلى الحياة أحياناً متخفّياً، متوارياً خلف مشهد مربك، أو قرار موجع، أو خسارة تبدو للوهلة الأولى غير قابلة للفهم.
كم من مرّة وقف المرء أمام باب ظنّه خلاصه الوحيد، فأغلق في وجهه، وكم من فرصة حسبها نهاية الانتظار فإذا بها تتبخر في اللحظة الأخيرة، وكم من علاقة تمسّك بها بوصفها ملاذاً فإذا بها تنسحب تاركة فراغاً ثقيلاً. في تلك اللحظات لا يبدو اللطف حاضراً، ولا يظهر الله قريباً كما نتمنى، ويعلو السؤال في الداخل؛ لماذا يحدث هذا الآن، ولماذا بهذه القسوة، لكن الزمن، وهو شريك الحكمة الصامت، يعود لاحقاً ليكشف طبقة أخرى من المعنى، ويبيّن أن ما جرى لم يكن إهمالاً ولا تخلياً، وإنما تدبير محكم حمى الروح من مسار أشد وجعاً.
اللطف هنا لا يعمل وفق استعجالنا، ولا يراعي توقيت رغباتنا، بل ينحاز إلى سلامة القلب على المدى الأبعد، وإلى حماية الوعي من تشوّه قد لا نراه في لحظته، لذلك يأتي أحياناً في صورة تأخير يربك خططنا، أو حرمان يختبر صبرنا، أو انكسار يعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا. ومن المفارقة أن المرء لا يدرك قيمة هذا اللطف إلا بعد أن يعبر المنطقة الرمادية كاملة، ويفهم أن بعض الأبواب لو فُتحت في وقتها الذي أردناه لأثقلت أرواحنا بما لا نحتمل.
ما يربك الإنسان أكثر أن هذا اللطف لا يعلن عن نفسه، ولا يقدّم تفسيراً فورياً، بل يتركنا نخوض التجربة بوعي ناقص، وأن نتعلم الثقة من دون ضمانات، وأن نواصل السير ونحن لا نملك سوى الإحساس الخفي بأن ثمة حكمة تعمل في العمق. وهذه الثقة ليست سهلة، فهي تتطلب شجاعة داخلية، وتواضعاً أمام فكرة أن معرفتنا محدودة مهما ظننا غير ذلك، وأن الرؤية لا تكتمل إلا بعد مسافة كافية من الحدث.
في مراجعة الحياة، يكتشف المرء أن أكثر التحولات صدقاً بدأت من خيبات، وأن أنقى النضج خرج من قلب فقد، وأن الاتزان لم يولد من وفرة بل من فقدان محسوب. هكذا يصبح المنع شكلاً من أشكال العناية، ويغدو التأخير مساحة لإعادة التهيئة، وتتحول الخيبة إلى منبه مبكر أن الطريق الذي كنا نسير فيه لم يكن آمناً كما تخيلنا. ومن هنا تتغير علاقتنا بالألم، فلا نعدّه عدواً مطلقاً، ولا نقدّسه، وإنما نفهمه كمرحلة مؤقتة تحمل رسالة مشروطة بالفهم.
لطف الله لا يُقاس بما يمنحنا فوراً، بل بما يصرفه عنا ونحن لا ننتبه، وبما يبعده عن حياتنا من مسارات مغرية لكنها مُنهكة، وبما يتركه في داخلنا من قدرة على الاحتمال والنهوض من دون قسوة على الذات. وحين يلتفت المرء إلى الوراء، لا ليجلد نفسه بل ليفهم، يدرك أن كثيراً مما بكى لأجله كان خطوة نجاة، وأن الصمت الذي رافق تلك الخيبات لم يكن فراغاً بل حماية هادئة.
في هذا الفهم المتأخر تتصالح الروح مع قصتها، وتخف حدة الأسئلة، ويحل محلها امتنان هادئ، امتنان لا يعلو صوته ولا يتباهى، لكنه عميق ومستقر. عندها فقط نفهم أن اللطف لا يُشبه دائماً ما تمنيناه، لكنه دائماً ما كان أقرب إلى ما نحتاجه فعلاً، وأن النجاة قد تأتي أحياناً في هيئة امتحان، وتخرُج من بين أيدينا بهدوء، من دون أن ننتبه إلا بعد أن نصبح أكثر سلاماً مما كنا.