في معنى زيارة أمير قطر دمشق

31 يناير 2025

الشرع مستقبلا أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في مطار دمشق (30/1/2025 الرئاسة السورية)

+ الخط -

مما يلزَم أن يتكرّر قولُه إن التصوّرات الكلاسيكية عن أدوار الدول وفاعليّتها وأوزانها، عندما تُربط بالموقع الجغرافي والاتساع والثقل السكاني والنهوض الثقافي والامتداد التاريخي (والحضاري أحياناً)، صحيحةٌ في مراحل وسياقاتٍ سابقة، وما زال لها صحّتها في بعض أوجهٍ وبعض حالات، غير أنها لا تصحّ بالمطلق، ولا بالضرورة، فثمّة كثيرٌ يخرِمها، ويُبطِل الأخذَ بها نظريةً مسلّماً بها، وقاعدةً يُبنى عليها في التفسير والتعليل، فدولٌ عربيةٌ لا تُحرز هذه الخصائص (والمزايا)، صغيرة المساحة وقليلة السكّان وحديثة العمران، تتقدّم بفاعليةٍ في المشهد الإقليمي العربي، وتتصدّر في ملفّاتٍ كبرى، فيما دولٌ كبرى تنغلق في مُسبقاتٍ تعطّل حضورها وحركتها. ... وهذه زيارة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، دمشق، أمس، لا تُقرأ خارج هذا المنظور، فسورية في حاجةٍ شديدة الإلحاح إلى روافع عربيةٍ تُساعدها على التعافي من أوضاع بائسة، ومقلقةٍ ربما. وزيارة قيادتِها، على هذا المستوى، في هذا الوقت، وغداة تدشين انعطافتها الحرجة إلى طوْرٍ انتقاليٍّ بالغ الحساسية، بادرةٌ عظيمة الإيجابية، معنوياً وسياسياً، فالعموم السوري يتلهّف إلى كل إسنادٍ لازمٍ من الدول العربية، على صعيد دعم إعادة بناء البلد، ليس فقط تنموياً واقتصادياً وللبنى التحتية ومرافق الخدمات، بل أيضاً لترميم الصلة الطبيعية بين سورية وأمّتها العربية أيضاً، بعد أن رهنها نظام بشّار للإرادتيْن الإيرانية والروسية.

إنْ يلزم أن نتذكّر أنّ قطر امتنعت عن إعادة العلاقات مع نظام الأسد، في غضون الهرولة العربية الواسعة إلى الزيارات وفتح السفارات وتعظيم العلاقات، لمّا تدهورت ذرائع العمل على تغيير سلوك ذلك النظام وكفّ شروره في تهريب الكبتاغون إلى الأردن والخليج، إنْ يلزَم هذا التذكير، وكذا بتسيير المعارضة السفارة السورية في الدوحة، فإنّ ما يلزم التأشير إليه أن الإسناد القطري لسورية الجديدة كان مبكّراً، ومُعلناً لا تأتأة فيه، وأن يكون الشيخ تميم أول زعيم (أو رئيس) دولة يزور دمشق بعد تحريرها من نظام الأسد، وبعد تسمية أحمد الشرع رئيساً للجمهورية العربية السورية، بعد أن كان رئيس الوزراء (ووزير الخارجية)، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أول مسؤولٍ بهذه المنزلة يؤدّي زيارة دعمٍ للسلطة القائمة في عاصمة الأمويين، فذلكما يعنيان ما يعنيانه في ما يتعلّق بأن قطر تؤكّد وجوب أن تتظلّل سورية بالغطاء العربي، فلا تكون ملعباً للآخرين، وفي ما يتعلّق بأن قطر تؤكّد دوراً لها، يلتقي مع جهود دولٍ أخرى، في سبيل أن تتخلّص سورية من عقوباتٍ ثقيلةٍ تعيق إقلاعاً اقتصادياً فيها. ولا يُغفل أن قطر تسيّر طائرات مساعداتٍ إنسانيةً إلى البلد المتعَب أسبوعياً، بالتوازي مع عملها على تأهيل مطار دمشق، وعلى تمكين مرافق صحيّة وتعليميّة. ومما يلزم عدم إغفاله أن الاتصالات القطرية السورية قائمةٌ منذ الأسبوع الأول لإنهاء نظام الأسد، فقد زار فيه مسؤولون دبلوماسيون وأمنيون دمشق والتقوا نظراءهم في الإدارة الجديدة، وينشط، في الغضون، طاقم السفارة القطرية هناك.

... ولكن كل جهدٍ قطريٍّ، بالتوازي مع جهود غير بلدٍ عربي، من أجل أن تعود سورية إلى مواطنيها، بعد أن خطفها نظام الأسدَين طويلاً، ومن أجل أن تنهض دولةً آمنةً ومُنتجة، لن يؤتي ثماراً له، من دون توافق ناسها ونخبتها وخبراتها وتشكيلاتها وقواها الحيّة على نظام حكمٍ رشيد، ومن دون أن تتمثّل في حكوماتها وفي السلطة المنشودة كل التلوينات الاجتماعية والسياسية والمناطقية، وهذه مهمّة السوريين وحدَهم، وليس أحدٌ في الخارج يؤدّيها. وعندما شدّد أمير قطر، في مباحثات قصر الشعب أمس مع الرئيس الشرع، على الحاجة الماسّة لتشكيل حكومةٍ تمثّل جميع أطياف الشعب السوري لتوطيد الاستقرار والمضي في مشاريع إعادة الإعمار والتنمية والازدهار، فإنه شدّد على ما يلزم ألّا تحيد عنه أعين السوريين جميعاً، في السلطة القائمة وفي السلطة التي ستأتي بها المؤسّسات قيد البناء قريباً. وعندما تسمع القيادة السورية من ضيْفها الكبير أن قطر "ستواصل وقوفها مع الأشقّاء السوريين لتحقيق أهدافهم التي ناضلوا من أجلها وصولاً إلى دولةٍ تسودُها الوحدة والعدالة والحرية، وينعم شعبُها بالعيش الكريم"، فذلك مما يُشيع اطمئناناً لازماً في سورية الجديدة، ويعني أن السوريين هم من سيواصلون العمل على تحقيق تطلّعاتهم، وقطر تساندهم بكل عوْن... والله الموفق.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.