في مسارات الإسلاميين
دفع المأزق الكبير الذي تواجهه جماعة الإخوان المسلمين، عقب الأمر التنفيذي للرئيس الأميركي دونالد ترامب في الشهر الماضي (نوفمبر/ تشرين الثاني)، المُمهِّد لاعتبار الجماعة "إرهابيةً"، معنيين بتحليل ظاهرة الإسلام السياسي إلى القول إن هذه اللحظة تشهد دخول الإسلام السياسي مرحلة الأفول واقترابه من خطّ النهاية، بعدما فقدت الأيديولوجيا الإسلامية بريقها الذي اتسمت به طوال العقود الماضية. وليست هذه المرّة الأولى التي تخرج فيها تلك الآراء؛ فقد ظهرت أقاويل مشابهة بعد الإخفاقات المتلاحقة لتنظيمات الإسلام السياسي في عدة دول بعد "الربيع العربي"، في مقدّمتها الجماعة الأمُّ في مصر، ما أدخلها مأزقاً تاريخياً بدرجات متفاوتة، لأسباب ذاتية وموضوعية في المقام الأول، وليست خارجية كما تُردِّد منصّاتها. وهي أسباب تتعلّق بجمود خطابها وتكلّسها الفكري والتنظيمي.
رأى سيّد قطب أن الخلل في العقيدة، وليس في تغييب الشريعة، فاعتمد مبدأ "الحاكمية" الذي نزع الشرعية عن الدولة الوطنية
اللافت أن غالبية الآراء الجازمة بنهاية الإسلام السياسي جنحت إلى الاختزال، وسقطت في التعميم، بالنظر إلى الإسلاميين كتلةً صمّاءَ مصمتةً، بتصويب الأنظار على مدرسة الإسلام الحركي دون سواها، مع إغفال محاولة تتبّع مسار الظاهرة الإسلامية، التي لم تسر في مسار واحد أو خطّ مستقيم؛ فقد مرّت الظاهرة بعدة مراحل، وتعدّدت مدارسها وفقاً للسياق التاريخي المواكب لكل مرحلة.
يستدعي التأمل في فضاء الظاهرة الإسلامية خلال القرن الماضي شعوراً يمتزج فيه العجب بالدهشة من التطوّرات المتلاحقة في ثناياه طوال العقود الماضية. فقد كانت الأسبق في الظهور مدرسة محمّد عبده، أو المدرسة الحضارية، التي أعلت من شأن العقل، ودعتْ إلى تجديد الفكر الديني عبر التحرّر من قيود الجمود والتقليد والتعصّب المذهبي، وتقديم الإصلاح الاجتماعي على الإصلاح السياسي. فقد انتهج الشيخ محمّد عبده نهج الإصلاح بالأناة والتدرّج، بتقديم الإصلاح الاجتماعي من أجل الارتقاء بالمجتمع بعد تعليمه وتهذيبه أولاً، ليكون الإصلاح الاجتماعي الطريق المُمهِّد للإصلاح السياسي، فمن شأن الأول تأسيس بنى اجتماعية وفكرية قادرة على تهيئة المجتمع للممارسة السياسية الديمقراطية بصورة سليمة، بعد اكتسابه الخبرات اللازمة لإدارة شؤونه بطريقة ذاتية؛ فقد رأت تلك المدرسة أن الإصلاح المجتمعي هو الرافعة التي تمهّد الطريق أمام الإصلاح السياسي.
ثم ظهرت المدرسة الحركية على يد حسن البنّا، وهي التي قامت على العمل السري، أو إنشاء "الكيان الموازي" القائم على حشد الأتباع، عبر تقديم البيعة لمرشد الجماعة، وترسيخ قيم الجندية في عقولهم، بالمغالاة الشديدة في مبدأ السمع والطاعة للقيادة. العلاقة بين طرحَي محمّد عبده وحسن البنّا جدلية، وليست تكاملية، فقد قدّم محمّد عبده طرحاً اعتنى في المقام الأول بالمجتمع وبضرورة تحديثه بالإصلاح الاجتماعي من أجل معالجة العيوب الحضارية التي يعاني منها قبل المطالبة بالديمقراطية. ثم جاء البنّا وقطع الطريق على عبده، بعدما قدّم طرحاً اعتنى في الأساس بالدولة أيّما عناية، إلى درجة أنه أضافها إلى أصول الدين (نشأت جماعة الإخوان المسلمين في أعقاب سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وتأسيسها جاء ردّة فعل بهدف استعادتها). رأى البنّا أن الإصلاح يبدأ من أعلى إلى أسفل، عبر إعطاء الأولوية لـ"أسلمة" السلطة وبنية الدولة، ثم المجتمع بإدخاله تدريجياً إلى حظيرة "التنظيم" لإعادة اكتشاف هُويَّته الحضارية؛ فلا يرى اكتمال إقامة الدين إلا بعد قيام الدولة الإسلامية، بينما لم يعبأ طرحه كثيراً بالمجتمع أو بالإصلاح الاجتماعي.
استبطن البنّا فكرة "الكيان الموازي" للدولة الوطنية عبر بناء تنظيمات هرمية تنقسم إلى خلايا تنظيمية مترابطة، جاء تقسيمها الداخلي على غرار تقسيمات الدولة، من دون إدراك أن الصدام بين الدولة الوطنية وأي كيان "موازٍ" لها مؤكّد؛ لأن الأولى لا يمكن أن تقبل بوجود الثاني بطبيعته السرّية. فالدولة الوطنية بطبيعتها تميل إلى الهيمنة والسيطرة، ولا يمكن أن تقبل بوجود كيان يناطحها أو ينازعها سلطاتها، فضلاً عن سعيه إلى اختراقها. ولم يخضع ذلك النهج لأيّ مراجعة، رغم الصدامات المتعدّدة للجماعة مع الدولة المصرية في العهدَيْن الملكي والجمهوري.
ثم جاء سيّد قطب، وقدّم طرحاً خطيراً رأى أن الخلل في العقيدة، وليس في تغييب الشريعة كما رأى البنّا. واعتمد مبدأ "الحاكمية" الذي نزع الشرعية عن الدولة الوطنية بصورة كاملة، من دون أن يقدّم صيغة بديلة، وأسبغ على المجتمع صفة "الجاهلية"، ما فتح الباب واسعاً أمام نزعات التطرّف، فضلاً عن تفشّي النزعة "المهدوية" بين كثيرين من أتباع تلك التنظيمات، المسكونين بشعور زائف بالاصطفاء القائم على مبدأ "استعلاء الإيمان"، الذي يدفعهم إلى التصرّف بنزعة وصائية تجاه عموم الناس، وكأنّهم مكلّفون بمهمة وهمية لإنقاذ الأمة من الضياع، فضلاً عن نزعة قطعية دوغمائية تحكم رؤاهم وتصوّراتهم، تجعلها مسلّمات محسومة لا تقبل النقاش.
ترك قطب ألغاماً فكرية بالمعنى الحرفي للمفردة، لم يحاول نزع فتيلها. والأسوأ أن تلك الألغام التي حملتها كتاباته لا تنفجر مرّة واحدة وتفقد خطورتها، بل هي قابلة للتفجير مرّة بعد أخرى، كلّما توافرت الظروف المواتية، المتمثلة أولاً في المناخ المأزوم سياسياً واجتماعياً محلّياً بتحالف الفساد والاستبداد. وتزداد الطين بلّة لو كان ذلك مصحوباً بلحظة هزيمة حضارية من شأنها إشعال جدلية العلاقة بين الشرق والغرب، على غرار الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فتلك الفترات تُعدّ مناخاً مثالياً لانتشار النزعة القطبية والجنوح إلى التطرّف، وهو ما نعاني آثاره منذ عقود.
المفارقة العجيبة أن كثيرين من أتباع كلٍّ من البنّا وقطب يرون أن هذا (تعاليم البنّا ومعالم قطب) هو الإسلام بألف ولام التعريف. والأدهى أن بعضهم جمع بين الطرحين في قالب واحد في آن، فلا يرى الدنيا إلا بعينَي البنّا وقطب!
ذاعتْ وانتشرتْ كتابات حسن البنّا وسيّد قطب، في حين انزوى وانحسر ما كتبه محمّد عبده
كتب محمّد عبده "الأصول الثمانية للإسلام" في كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية"، التي تحدّث فيه عن النظر العقلي لتحصيل الإيمان، وتقديم العقل على النقل، وعدم وجود سلطة دينية في الإسلام. بينما كتب حسن البنّا "الأصول العشرين" التي أوردها في رسالة "التعاليم"، وتضمّنت فهم الجماعة للإسلام، والتي مثّلت الأساس الفكري الذي قامت عليه الجماعة. في حين كتب سيّد قطب "معالم في الطريق"، الذي مثّل المنبع الفكري الرئيس الذي نهلت منه الجماعات الجهادية التكفيرية المتطرّفة التي ظهرت خلال العقود الماضية، واتخذت من العنف منهجاً وسبيلاً؛ فيُعدُّ ذلك الكتاب بمثابة الذخيرة الفكرية التكفيرية، أو الـ"مانيفستو" التكفيري، الذي انطلقت منه الجماعات التكفيرية كافة، أو ما يُسمّى بـ"الإسلام الراديكالي".
المؤسف، واللافت، أن الذي حاز الذيوع والانتشار كتابات البنّا وقطب، على ما فيها من عوار فكري وخطاب مُغلَق، في حين انزوى وانحسر ما كتبه عبده وظلّ مطموراً، رغم ما حمله من جزالة ومتانة فكرية وخطاب عقلاني انفتاحي، وهو ما ألقى بظلال شديدة القتامة على المجالين الديني والسياسي ما زالت آثارها قائمة. بيد أن "الربيع العربي" ردّ الاعتبار بدرجة كبيرة إلى المدرسة الحضارية وانتصف لها، وأثبت أن رؤيتها كانت صائبةً إلى حد بعيد. كما أكّد، في المقابل، مدى بؤس المدرسة الحركية، وخطأ منهجها، وانتهاء صلاحيتها الفكرية. فالوصول إلى مرحلة تعزيز الديمقراطية يتطلّب في البداية الاشتباك مع الآفات المجتمعية والثقافية؛ فنجاح التحوّل الديمقراطي يستلزم أولاً وجود بنية مجتمعية وتنموية على قدر معقول من العافية.