في مدرسة الديكتاتور

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:20 (توقيت القدس)
+ الخط -

أصدرت ديالا برصلّي، الفنانة السورية المولودة عام 1980، كتابها المُصوَّر الجديد في بداية الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) بعنوان "في مدرسة الديكتاتور" عن دار نشر "ALIFBATA" الفرنسية. ولا يبدو هذا العمل شبيهاً بكتب الكوميك التي صدرت في فرنسا خلال السنوات الماضية، وتناولت أوضاع اللاجئين وصعوبات اندماجهم والمفارقات التي يعيشونها في منافيهم، فهو جزء من سيرة ذاتية لِديالا وصديقها باسل، ويتناول ثيمة التعليم. يتحدّث باسل عن عمله صحافياً، وعن التعليم في ظلّ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فيما تعود ديالا إلى التعليم في مدارس الأسد. تعود بنا الفنانة إلى زمن التسعينيّات، زمن طفولتها، وتدخل في تفاصيل إنسانية بسيطة عبر الرسم والسرد، فتشرح بعيني طفلة وشابّة ماهية الخوف والقمع. فُرض على الفتيات آنذاك ارتداء الزيّ العسكري وتعلّم استخدام السلاح؛ الخوف يتسلل عبر اللغة، وعبر طمس الذاكرة. وهنا تتبدّى المدرسةُ، كما تقدّمها ديالا، مؤسّسةَ انضباط لا تعليم، نسخة مصغّرة من "الثكنة" التي تحدّث عنها ميشيل فوكو في وصفه لآليات إنتاج الأجساد الطائعة. فضاء يُوضع فيه الأطفال لتكرار كلمة: "حاضر!". كانت واحدةً من الجمل الشهيرة في درس التربية العسكرية في المرحلة الثانوية في سورية: "نفّذ ثمّ اعترض".
تُصوّر ديالا، في أحد مشاهد فنّها المرهف، صدمتها حين أُجبرت على ارتداء الزيّ العسكري في المدرسة، فرأت نفسها جنديةً صغيرة. تُصاب بالدهشة وتتساءل. إنها يومياتها البصرية والفنّية، يوميات ورسوم تشبه روح ديالا نفسها. الفنّانة التي تبدو كمَن سقطت في حفرة "أليس في بلاد العجائب"، تستمع إلى الأناشيد الوطنية المُمجِّدة للقائد، ولا تترك لنا إلا أسئلةً في صورة لوحات ساخرة. اللافت في عمل ديالا أنك تميل إلى الاعتقاد بأن رسّامة هذه اللوحات طفلة صغيرة لا تزال مدهوشةً منذ أكثر من أربعين عاماً، تفكّك ذاكرتها بإصرار عبر خطوط دقيقة وألوان باهتة وقاتمة، ثمّ تنفجر الحياة فجأة بألوانها الصاخبة، في لوحات أخرى. ثمّة هشاشة جمالية متعمّدة في خطوط ديالا، هشاشة تجعل القسوة أكثر وضوحاً؛ وكأنّ الطفلة التي رُوِّضت بالقوة قرّرت أن ترسم بيد ترتجف، تعبيراً عن ذاكرة مُرتجِفة. لدى ديالا لون خاص، البرتقالي الصارخ، يخرج ليضرب اللوحات غضباً حيناً وفرحاً حيناً آخر، مثل حركة ديالا نفسها في الرسم والحياة: لا يتوقّف عن الارتعاش، ثم يعود ليخبو ثانية، تماماً كذاكرتها.
لا يقف الكتاب عند حدود رواية ديالا لطفولتها، ويبدأ من لحظة اللقاء في باريس مع صديقها باسل، ليعود بالزمن خطفاً ثم يتقدّم. نرى كيف عاش الأطفال تحت حكم "داعش"، ونكتشف كيف جرى تعليم الطاعة الاستبدادية جنباً إلى جنب مع الطاعة الدينية، وكيف عاش أطفال سورية في ظلام المجموعات الجهادية و"داعش". قصة ديالا ليست تجربةً فرديةً أو محلّيةً، إنها سؤال الحرية نفسه. سؤال أكبر لطالما شغَلها؛ فهي الفنّانة التي نزلت إلى المخيّمات ورسمت الجداريات، واهتمّت بتعلّم الأطفال وفنونهم. إنّه سؤال جماعي لنا جميعاً: كيف تتحوّل المدرسة مكاناً لإنتاج السيطرة بدلاً من إنتاج الإنسان؟
لطالما جرى التعامل مع أدوات التعبير السلمية والناعمة الرافضة للعنف باستهزاء، لكنّ الفنّ والعودة إلى الماضي ليست وسيلة للانتقام بقدر ما هي وسيلة للمصالحة. نعومة ريشة ديالا هي قوّة الرفض المسالم والخلاّق في أقصى معانيه حين يحاول تفكيك القسوة. الفنّ يعلّم ما لم تستطع مدارسنا تعليمه، ويسائل الحرية حين نعجز عن مساءلتها في واقعنا. ويدعونا للالتحاق بركب الجمال من دون أن يغفل عن المساءلات العقلية: قوّة التعاطف، التفكير، الابتكار. في النهاية، لا تقدّم ديالا برصلّي سرداً عن مدرسة الديكتاتور بقدر ما تقدّم درساً في الحرية؛ درساً صغيراً، بريئاً، مُرتجفاً، لكنّه يكفي كي نفهم أن المُستبِدَّ لا يهزم الذاكرة، وأن الفنّ، مهما بدا هشّاً، هو آخر ما يمكن ترويضه… ولهذا بالضبط، يبقى الفنّ شكلاً من أشكال المقاومة، وهو ما نحتاجه كثيراً في هذه الأيام الصعبة.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك