في قمّة برج ترامب

29 مايو 2025   |  آخر تحديث: 18:06 (توقيت القدس)

محمد بن سلمان يصافح أحمد الشرع أمام ترامب في الرياض (14/5/2025 الأناضول)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

لا يعني اللقاء السعودي الأميركي السوري أخيراً في الرياض (14 مايو/ أيار) أن سورية المُحرّرة من حكم الأسد التقت الولايات المتحدة التي أقنعتها السعودية وقطر وتركيا بالانفتاح على سورية الجديدة، إلا تبسيطاً. في العمق، التقت في الرياض ثلاثُ ظاهراتٍ جديدةٍ نسبياً في العالم. الأولى هي "الوهابي الأخير"، وقد انتهى إلى ظاهرة لافتةً جدّاً يمكن أن نسمّيها الـ "محمد بن سَلمانيَّة"، بما تعنيه من اتجاهٍ يحيل على التنمية والانفتاح، وبما أنتجته من ظاهراتٍ فرعيةٍ، مثل الهيئة العامّة للترفيه، التي تعمل بجدّ في قلب السردية السعودية التي طالما ارتبطت قبل ذلك بهيئةٍ من نوعٍ آخر، كان اسمها "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر". والثانية ظاهرة المُجاهد "السلفي الأخير"، وقد وضع ربطة عنق، ودخل إلى الدبلوماسية العالمية بثقةٍ ورشاقةٍ، بوصفه رئيسَ دولةٍ مهمّةٍ بالمعنى التاريخي والجيوسياسي. والثالثة ظاهرة "الرجل الأبيض الأخير"، ويمثِّله ترامب، وكلّ الجدل الذي أثاره (ولا يزال)، وقد نجح في إثبات الترامبية بوصفها ظاهرةً، وليست أعواماً أربعةً عابرةً انتهت مع ولايته الأولى. ولا أتصوّر أن أحداً يبالغ إذا قال إن هذا اللقاء حدثٌ ينتمي إلى فلسفة العلاقات الدولية للإنسان الأخير، أكثر ممّا ينتمي إلى السياسة نفسها. وكأنّ فكر صموئيل هنتنغتون، صاحب نظرية صدام الحضارات، ومعه منهجية تفكيره كلّها، قد أصيبت برصاصة رحمةٍ أخيرة بعد هذا اللقاء، فلو أتيح لأحدٍ من أصاحب الخيال الواسع أن يروي مشهداً مثل هذا لهنتنغتون قبل موته (2008)، لعدَّه الأخيرُ مجنوناً يهذي.

وبعد تجريد هذا الحدث من أبعاد السياسة المرحلية، يمكن أن نقرأه كالآتي: حدثَ لقاءٌ شائق بين سردية الأمويين المنبوشة من غياهب التاريخ نبشاً، لتدعّم صورة النصر المُبين، مع سردية الرجل الأبيض التقليدي المُحافظ، أو النسخة الأخيرة منه الأكثر جدلاً، الذي انتصر هو الآخر في بلده انتصاراً كبيراً، وكأن المنطقة في صورتها الأكثر أمويةً قد صافحت أميركا في صورتها ذات الرقبة الحمراء (red nick)، وقد يعني هذا أن معاوية الجديد قد يصير جيفرسون، أو جون آدمز، أو جورج واشنطن، أو أن ترامب قد يصير معاوية. في الحالتَين، مات هنتنغتون (المريض أصلاً) في هذا اللقاء، ودفن، وأُبّن. وكان تأبيناً مَرِحاً، فلا يبدو أن أحداً يبكيه في المنطقة باستثناء بنيامين نتنياهو وعلي خامنئي، اللذَين (في الأصل) لا يتقنان شيئاً مثلما يتقنان البكاء، بل يَتّخذانه حرفةً سياسيةً، ثمّ "يحشون بالدموع البندقية"، بتعبير محمود درويش.

على أيّ حال، لن يكون معاوية الجديد كسروي التنظيم والإدارة، كما كان في القرن الهجري الأول، ولكن الأرجح (إلى الآن) أنه سيكون ترامبياً على مستوى التنظيم والإدارة، وهذه بداية عصرٍ جديدٍ، قد يحدث خرقاً في فكرة الدولة السلطانية التي لم تتغيّر منذ أن تحوّلت الخلافة إلى مُلك، بتعبيرات ابن خلدون (أي منذ معاوية). ولو جرى بناء برج ترامب في دمشق، فسيكون هذا البرج هو المَعلم الأوّل الذي ينافس المسجد الأموي أهميةً في هذه المدينة العريقة. والثنائي (مسجد بني أميّة الكبير، وبرج ترامب) في مدينةٍ مثل دمشق (الآن) قد يعنيان نمطَ تفكيرٍ دولي جديد في موضوع الإسلام برمته، ومن ثمّ في موضوع الديمقراطية وفكرتها؛ والحداثة وموضوعاتها السياسية، وهذا الكلام ليس تبشيراً بطبيعة الحال، ولا تحذيراً أيضاً، لكنَّه توقُّعُ شيءٍ جديدٍ فحسب.

العالم غير قادرٍ على تحقيق مشروع سلامٍ أبدي

وهذا الجديد بدأ يظهر مثلاً في تصريح لافتٍ للمبعوث الأميركي الخاصّ إلى سورية، توم باراك، يعترف فيه بخطأ الغرب في "سايكس بيكو"، وأنها اتفاقية لم تكن من أجل السلام، بل من أجل "مكاسب إمبريالية"، ووعد بعدم تكرارها، مؤكّداً أن عصر التدخّل الغربي داخل حدود هذه الدول قد انتهى، وبدأ عصر "الشراكة الدبلوماسية". قد يكون هذا الجديد تطوّراً، وقد يكون نكوصاً، لا يوجد تصوّر دقيق لدينا الآن؛ فهذا التصوّر يحتاج إلى تفكيرٍ أكثر. ولكن هذه الظاهرات الثلاث علاقتها مع الوفاء بالوعود جيّدة، فكلٌّ من الشرع وترامب وفّى بوعدٍ سريالي لم يصدِّقُه أحدٌ حين إطلاقه. وعد الأول بالعودة إلى البيت الأبيض، حين كان الثاني يعد بالوصول إلى دمشق، وحين كان بن سلمان ينفّذ وعداً قطعه في مبادرة مستقبل الاستثمار في 2018، بأن يجعل الشرق الأوسط أوروبا الجديدة، ولا يزال الرجلُ يمضي في تنفيذ ما وعد به بجدٍّ، من دون أن يتنازل لفكرة الديمقراطية أيَّ تنازلٍ سياسي. كلُّ واحدٍ من هؤلاء الرجال الثلاثة كان أهلاً لوعده، مع أن وعودَهم لم يأخذها غالبية المتابعين لشؤون هذه البلدان على محمل الجدّ عند بداية طرحها.

يحضر في سياق هذا اللقاء أيضاً مُفكِّرَان كبيرَان، توماس هوبز وإدوارد سعيد. فالمعنى الهوبزي لا يقبل (إلى الآن) توصيفَ "مجتمع" عند الحديث دولياً، لأن المجتمع يُحدَّد بالدولة بوصفها الليفياثان (Leviathan) الذي يؤدّي إلى القضاء على الحالة الطبيعية، وهي الحالة التي يميل فيها الناس إلى العنف والقوة والحرب، حسب هوبز. وما دام لا يوجد نظير عالمي لمفهوم الدولة الداخلي؛ لا يمكن أن يكون الوسط الدولي مُجتمعاً، فالعالم غير قادرٍ إلى الآن على تحقيق مشروع سلامٍ أبدي مثل الذي وضعه الأب دوسان بيير في أوروبا، استناداً إلى الفكرة الهوبزية في العلاقات الدولية، ثم بنى عليه روسو، ثمّ كانط في مشروع السلام الدائم. وعليه لا يمكن أن نقول إننا نمتلك مجتمعاً دولياً إلا على سبيل المجاز. الذي حصل في الرياض دولياً قد يذكّرنا بمقولة دوسان بيير في مشروعه للسلام الدائم في أوروبا الذي وضعه في 1713، فقال: "إبرامُ معاهداتٍ دفاعيةٍ وهجوميةٍ مع جيران المسيحيين من الحكّام الذين يدينون بالديانة المحمّدية، وذلك حفاظاً على سلامة الجميع، كلٌ داخل حدوده، وتبادل ما أمكن من ضمانات الأمن". هذه المعاهدات عند ترامب تكون صفقاتٍ وأعمالاً، ومن ثمّ فإن تعبير "كلٌّ داخل حدوده" بموجب الفهم الترامبي، سوف يُمهِّد لدمجَ الفِكَر غير الديمقراطي في وسط التحالف العالمي الفعَّال، وقد يؤول ذلك إلى جعل الانتقال إلى الديمقراطية شأناً لا يعني للغرب شيئاً.

الفهم الترامبي لتحالف عالمي فعَّال، قد يجعل الانتقال إلى الديمقراطية شأناً لا يعني للغرب شيئاً

وأمّا إدوارد سعيد، فنتذكر في هذا الموقع تنظيراته في فكرة الاستشراق، بدايةً من تخيّل الإسلام في الغرب كأنه كتلةً صلبةً واحدةً، ثمّ الخوف منه كلّه. ويبدو أن هذه النظرية قد بدأت تنتهي معلنةً نهاية الاستشراق، والتوجّه إلى الاندماج التنموي الذي يميّز بين إسلامٍ وآخر بموجب السياسة والاقتصاد، وهذا توجّهٌ مدعوم بالتطوّر التكنولوجي الهائل، والذكاء الاصطناعي، والأعمال، وكلِّ الذي يمثله إيلون ماسك مثلاً، وقد صار اسماً لامعاً في عالم السياسة أيضاً.

على المستوى السوري الداخلي، لا يعني هذا أن السلفية الجهادية ثبَّتت أقدامها دولياً مع ثنائية الشرع والشيباني، بل يعني أنها أصبحت شيئاً آخرَ، وهذا الشيء الآخر هو الذي انتصر؛ فالتنمية مفهومٌ لطَّف الجهاد، وأحدث فيه تغييرات بنيوية، وقدَّمَ التعمير في الأرض على قتال المُختلف، وهذا بطبيعة الحال لا يتقدّم كثيراً من دون إنهاءٍ كاملٍ لعصرِ الأيديولوجيا، ومن دون تضافر الجهود تحت كلمة التنمية، مترافقةً مع حقوق الإنسان واحترامه. وليس هذا التوجّه الديني جديداً، فتحقيق السلام من بوابة التنمية مسألة تكلم فيها البابا بولس السادس عام 1965 من على منبر الأمم المتحدة، حين ركَّز عليها بوصفها فكرةً مضادّةً للحرب، ثمّ قال في عام 1967 (في الفقرة رقم 87 من رسالته البابوية التي حملت عنوان "تقدُّم الشعوب")، إن التنمية هي "التسمية الجديدة للسلام"، مع أن البابا يوحنّا بولس الثاني، أضاف أن هذا السلام ينحصر بعدم المساس بحقوق الإنسان واحترامها.

ومن جهةٍ سورية أخرى، قد نقول إن دمشق تبدو اليوم ميكيافليّة الهوى، ليس بالمعنى التقليدي الضيّق الذي يقول إن الغاية تسوّغ الوسيلة. لا مطلقاً؛ ولكن بالمعنى الذي طرحه ميكيافلي للعلاقة بين السياستين، الداخلية والخارجية، حين قال إن "المسائل الداخلية سوف تُعالَج دائماً حين تُعالج المسائل الخارجية، ما لم يحدُث تآمر داخلي يعكّر صفو الحال".

B4769262-978B-41E7-8365-77B95D66AED6
مضر رياض الدبس
باحث وسياسي سوري، ماجستير في الدين والسياسة والمجتمع العالمي، له دراسات وأبحاث منشورة، ومن كتبه: مفهوم المواطنة أو صورة السيتزنية في المستقر الإيماني، وفي ضوء الألم، تفكير في بنى الاجتماع السياسي السوري، وعقل الجهالة وجهل العقلاء.