في قضية القدس عربياً

في قضية القدس عربياً

10 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

طلبت دولة فلسطين أن يكون الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية اليوم الاثنين على مستوى وزراء الخارجية، وليس المندوبين كما كان مقرّرا، لبحث اعتداءات القوات الإسرائيلية في القدس المحتلة، فاستُجيب لها. يندسّ هذا الخبر بين ما تأتي به الفضائيات ووكالات الأنباء من صور للاعتداءات الإسرائيلية الموصوفة، في محيط الأقصى، وفي جوار حي الشيخ جرّاح وعموم القدس العتيقة. وشيءٌ من التأمل في الخبر المذكور يجيز سؤالا عديم القيمة، عمّ كان سينقُص على المرابطين في القدس، والذين يقاومون شرطة الاحتلال وعسكره، في هذه الليالي الأخريات الكريمة، لو أن اجتماع اليوم عقده مندوبو الدول العربية الأعضاء في الجامعة العتيدة. ولمّا قال سفير فلسطين في مصر ومندوبها في الجامعة، ذياب اللوح، بجدّيةٍ ظاهرة، إن هناك ضرورة لأن تنتج عن الاجتماع "قراراتٌ وإجراءاتٌ عمليةٌ ترتقي إلى مستوى الحدث الكارثي غير المسبوق"، فإن توقّفا عند هذا القول قد يجعلك تغبط هذا الرجل على افتراضه إن شيئا مما جاء على لسانِه قد يخلص إليه الاجتماع، منعدم الأهمية.
عندما يرفرف علم دولة الاحتلال في ست عواصم عربية، وعندما يُكتفى برمي إسرائيل بعبارات إدانةٍ واستنكارٍ في بياناتٍ رتيبة اللغة، وعندما لا يلقى الصلف الإسرائيلي في غير اعتداء وعدوان، وفي غير مجزرةٍ ومقتلة، وفي غير موقعةٍ استيطان ونهب ومصادرة أرض، أيا من "الإجراءات العملية" التي يشتهيها ذياب اللوح، فإن دولة الاحتلال لن تقيم وزنا لمن لا وزن له، ولن تكترث ببياناتٍ ركيكةٍ، يصدرها اجتماع وزراء أو مندوبين، وهي التي، للتذكير فقط، لم تصرف وقتا في أي أخذٍ وردٍّ على ما سميت المبادرة العربية للسلام، لمّا أعلنتها قمة عربية قبل نحو عقدين. ولا يضرب واحدُنا في الرمل لو جزم إن البيان الذي سيصدر عن اجتماع الوزراء العرب الليلة سيكون نافلا، وربما مضحكا، ولن يحفل به المتبتلون الصامدون الشجعان في القدس، وهم يحمون بيوتهم، ويسيّجون باب العمود وفناءات الحرم القدسي بإرادة البقاء والمقاومة.
من المتوقع أن يعقد مجلس الأمن في الأمم المتحدة اجتماعا خاصا، يبحث الأوضاع المحتدمة في القدس المحتلة. والمؤكّد أن ما سيصدر عنه من كلام (ليس من قرار مرتقب) لن يجعل سلطة النهب والعزل، ونظام التمييز العنصري الإسرائيلي، ترعوي، وهي التي قتلت في أربع ساعات نحو ستين فلسطينيا، باستخفافٍ معلن، تظاهروا عند حدود قطاع غزة، قبل ثلاثة أعوام، في مفتتح مسيرات العودة غير الموفّقة، ثم لم يهمس في أذن أيّ من مسؤوليها أحد في "المجتمع الدولي" يستفظع الجريمة الموصولة بسابقاتٍ مثلها وأخرياتٍ بعدها. أما وأن اجتماعا لمنظمة التعاون الإسلامي من المقرّر أن يجتمع غدا الثلاثاء لبحث الأحوال في القدس والاعتداءات الإسرائيلية، فذلك ليس سوى مناسبةٍ مستجدّةٍ لإراحة أنظمة العالم الإسلامي ضمائرها، فبيانٌ جديدٌ يضاف إلى ما تراكم مثله من قبل سيُعدّ مساهمةً في نصرة المقدسيين. وذلك فيما بقاء سفراء إسرائيل في غير عاصمةٍ عربيةٍ وإسلامية، واستمرار علاقاتٍ اقتصاديةٍ واستخباريةٍ وأمنيةٍ ومبادلاتٍ تجارية نشطة مع دولة الاحتلال أمورٌ لا يحسُن الاقتراب منها، أو نقاشها، فتعبيرات غضبٍ لفظيٍّ تكفي المؤمنين شر القتال.
لا يجوز التبخيس من قيمة العمل الدبلوماسي والاتصال مع دول العالم، ولا حتى من إصدار بيانات التضامن والمؤازرة. إنما هو القول هنا للأعور في عينه إنه أعور، فشديدةُ البؤس والرثاثة هذه الأوهام التي تتوطّن في مدارك صانع القرار العربي، أنه يؤدّي ما عليه عندما يرفع مستوى التمثيل في اجتماع لجامعة الدول العربية، عديمة النفع وناقصة الأهلية، من مندوبين إلى وزراء خارجية. والقضية في القدس لا تتعلق بأن 12 عائلة في حي الشيخ جرّاح مهدّدة بالطرد من منازلها، بدعوى تطبيق أحكام القضاء الإسرائيلي، إنما هي قضية الحق الفلسطيني، من مبتدئه قبل نكبة 1948 التي تحلّ ذكراها بعد أيام وصولا إلى لحظة القاع الفلسطيني الذي نعاين ونعرف، وإلى راهن البؤس العربي المشهود، ومن جديد علائمه أن دولة عربيةً، صارت توصف أخيرا، بأنها "مركزية"، تدعو إلى "خفض التصعيد" في القدس.. ثم يأتيك ذياب اللوح، ويطالب بإجراءتٍ عمليةٍ في اجتماع بضعة وزراء عرب.