في قضية إنهاء حياة طفلة ...
(فادي يازجي)
في وقتٍ ينشغل العالم في الاحتفال بشهر حقوق الإنسان ويوم الطفل والحملة الدولية لمناهضة العنف ضد المرأة، وفي خضم النقاش الدائر في أوساط اجتماعية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، عن المبالغة والتضخيم لدى المهتمين والمهتمات بحقوق المرأة عن مستويات العنف الوهمية تجاه النساء، وربما عدم وجود ذلك العنف أصلاً، وأن "احنا مو هيك وأننا مجتمع يحترم المرأة ويراعيها طفلة وفي جميع مراحل العمر ... إلخ"، نجد أنفسنا في الأردن أمام حادثة بشعة أخرى، وهذه المرّة الضحية ليست امرأة، وليست فتاة شابة، وإنما طفلة في السادسة من عُمرها.
كان الخبر: وفاة طفلة بسبب الضرب المبرّح على يد والدها في شمال المملكة، والصورة المرافقة للخبر، وهي الأخيرة التي رآها الأردنيون بها: طفلة بملامح بريئة ضاحكة متمسّكة بعلبة حلوى، وفي الخلفية تصنيف بعضهم النساء في مختلف الأعمار كحلوى مكشوفة وأخرى مغطاة، وأن مؤسّسات المرأة هي من قادت النساء إلى التمرّد والمطالبة بحقوقٍ ليست منتهكة أساساً. والحقيقة أنها، في أماكن كثيرة وعلى مستويات عدة، هي فكر محض خيال أو ترف وخروج عن موروث اجتماعي وديني مدعوم من قوى أبوية ذكورية محافظة مستفيدة من هذا الواقع وعدم تغييره.
في كل مرّة، ونحن نبحث عن الحجّة بسبب جريمة ضحيّتها امرأة (رغم عدم وجاهة ذلك أو منطقيّته على الإطلاق) يعيدنا النقاش الأعمى إلى المربّع الأول: النساء ما زلن يُقتلن بلا سبب.
المشكلة ليست في القوانين، وإنما بالفهم المجتمعي لها، ومن حدود السلطة وبخاصة الأبوية تجاه أولادهم
طفلة ربما لمّا تتقن الكلام جيداً بعد، انتهت حياتها حتى قبل أن تبدأ، وعلى يد والدها الذي يصنّف دينياً واجتماعياً وإنسانياً بالراعي والحامي لابنته من العالم، أليس من المفترض أن تكون العائلة الحصن والحضن الذي تلجأ إليه الفتيات في بلادنا؟ يبدو أن هذا الحضن ضاق على "رحمة"، وتواطأ في المحصلة عليه، بالسكوت عن جريمة بشعة لم تقع وقت لحظة القتل فقط، وإنما كانت مستمرّة عبر سنوات من التعنيف والضرب والتشويه وحلاقة شعر الرأس، وغيرها من تصرّفات "إجرامية" وبكثافة.
هل بدأت مأساة هذه الطفلة وهي رضيعة؟ كيف استطاع الأب، وبمشاركة الأم أحياناً، كما أظهرت التحقيقات الرسمية، أن يمارسا ذلك كله على جسد ابنتهما في بضع سنوات، بل إلى أين كانت مخيّلتهما ووحشيّتهما ستقودانهما لو كُتبت لها الحياة سنوات أخرى. لا أظن أن هذه السنوات كانت كافيةً لتظهر طفلةٌ بوادر رفضٍ أو تمرّدٍ أو أن تشبّ عن الطوق مثلاً.. "فتُتيح" للجاني مرّة أخرى مبرّراً وحجة لكل من يمارس أو يعطي الشرعية لممارسة سلطة التعذيب تحت مبرّر "تأديب" النساء لدينا، متكئين على نص المادة 62 من قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960، سنداً وباباً للبراءة والشرعية، وهي التي تجيز "للوالدين ممارسة أنواع التأديب تجاه أبنائهم، بما لا يتسبّب في إيذائهم أو إلحاق ضرر بهم، وفقاً لما يقرّه العرف العام"، وأنها من الأفعال المصرّح بها بموجب القانون، ولا تعتبر جرائم.
لا يجيز القانون في الأردن تأديب الأطفال بضربهم، لا للأهل ولا لأصحاب أي سلطة أخرى
لا يجيز القانون تأديب الأطفال بضربهم، لا للأهل ولا لأصحاب أي سلطة أخرى، بل تعاقب النصوص على ضرب الأطفال وممارسة العنف تجاههم، وتعد جرائم في قوانين أخرى، وبوضوح، كقانون الطفل وغيرها من تشريعات، فالمشكلة ليست في القوانين، وإنما بالفهم المجتمعي لها، ومن حدود السلطة وبخاصة الأبوية تجاه أولادهم.
لا تظن الكاتبة أن هذه الجريمة، وبهذه البشاعة، كانت لتتم وبهذه السهولة لو لم تكن الضحية طفلة. ... صحيحٌ أن هناك ذكوراً يتعرّضون يومياً للضرب والتعنيف، ولكن الإناث، وفي مختلف المراحل العمرية، وهو ليس مجرّد أو انطباع أو ردّة فعل غاضبة تجاه قصة واحدة، أو قصص نسمعها يوميّاً، وإنما تعكسه أرقام تقارير رسمية وثقت أنه في 2023، تبين أن الإناث من الفئة العمرية بين 18-60 عاماً هن الأكثر تعرّضاً للعنف الأسري، وأن 80% من حوادث العنف الأسرى ضحيتها نساء، وفقاً للتقرير السنوي للفريق الوطني لحماية الأسرة من العنف.
صحيحٌ، المشكلة ليست محلية ولا إقليمية، وإنما عالمية، والأرقام صادمة في دول عديدة، ولكننا في بلادنا من اعتدنا حماية النساء، وبخاصة الطفلات منهن، وتغنّينا بهن، وأطلقنا عليهن تيمّناً بمنظور ديني "المؤنسات الغاليات"، حتى بات اعتقاداً عربيّاً راسخاً، بغضّ النظر عن الخلفية الدينية للمجتمع.
ألم نبك وتحسّرنا على صور مئات منهن في غزّة والسودان وسورية واليمن... إلخ، وطالبنا بحماية وتدخل ورفعنا شعارات الحقوق والواجب... لماذا نتبرّع بالجريمة تجاه من يجب أن نحميهن وننهي حياتهن بلا حرب، وانتهاك كرامتهن بلا مجاعة. لماذا نحوّل ما تبقى من مجتمعاتنا الآمنة إلى ساحة حربٍ نعلنها على أنفسنا ونطلق النار على صدورنا وبأيدينا.