في سهولة استهداف المفاعل الإيراني

22 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تعرَّض مفاعل نطنز النووي الإيراني لحادثٍ جديدٍ، في 11 إبريل/ نيسان الجاري، إذ انفجرت داخله عبوة ناسفة زرعها أحد عملاء الموساد الإسرائيلي، تبعاً لتصريحات إسرائيلية واتهامات إيرانية. وأدّى الانفجار إلى حدوث خللٍ أصاب شبكة الطاقة التي تغذّي أجهزة الطرد المركزي بالغة الحساسية في المنشأة. ولكون هذا الحادث ليس جديداً، إذ سبقته حوادث طاولت منشآت نووية وصاروخية وغيرها، وعمليات اغتيال علماء ذرة هامين، يُطرح التساؤل عن سهولة هذا الاستهداف، ومدى نجاعة عوامل الأمان التي تتبعها إيران في تلك المنشآت، علاوة على تهاونها في حماية كوادرها. ومن هنا، يحق للإيرانيين التساؤل عن جدوى هذه النشاطات، ومدى مساهمتها في تنمية البلاد، وخصوصاً مع ما صاحبها من عقوباتٍ وخسائر مباشرة وغير مباشرة، كلفت الخزينة الإيرانية مليارات الدولارات الضرورية لتحسين معيشة مواطنيها.

وبعد الوقوف على حيثيات التفجير، يمكن المرء تخيّل الطريقة التي تدار فيها منشآت إيران النووية، أو حتى الصاروخية، ومدى الاستهتار الذي يجعل مُستَخدماً يُدخِل جسماً متفجّراً إليها بتلك السهولة التي لا تتوافر في بعض الشركات التجارية على سبيل المثال. إذ تتبادر إلى الذهن الآليات التي تتبعها بعض تلك الشركات لضبط عملياتها التجارية، خصوصاً مستودعات قطع الغيار والقطع الحساسة الدقيقة، التي منها تنظيم صلاحيات الدخول إليها، وأحياناً، تفتيش العاملين لدى انصرافهم منها، تعطي فكرة واضحة عن غياب آلية كهذه في المنشآت النووية الإيرانية، فهل تعتمد إيران آلية تنظيمية محدّدة، أم تكتفي بالاعتماد على ولاء الأشخاص الظاهري في عملية تقييم سلوكياتهم الوظيفية أو الأمنية، وخصوصاً أنّ الكلام يدور حول منشأة تتطلب توافر نسبة غير عادية من عوامل الأمان، أمان الأشخاص وأمان المعدّات؟ تشير عمليات الاختراق والتفجير إلى خللٍ ما، وخللٍ له تكاليف، يبدو أن إيران لا تحسبها.

تشير عمليات الاختراق والتفجير إلى خللٍ ما، وخللٍ له تكاليف، يبدو أن إيران لا تحسبها

ومع تكرّر الحوادث، السيبرانية، وتلك التي فيها تدخُّل بشري مباشر، وحوادث اغتيال العلماء، يطرأ السؤال عن سبب لا مبالاة طهران تجاه خساراتها البشرية والمادية، وهي اللامبالاة التي ظهرت بعد تكرّر استهداف المفاعل، وبالسهولة التي بدت عليها، وكذلك عبر استهداف أهم علمائها. ولماذا فرَّطت إيران بأهم عالم ذرة لديها، محسن فخري زاده، على الرغم من أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، طلب من الإسرائيليين، عام 2018، تذكُّر هذا الاسم، في تلميح إلى أنّ الرجل قد وقع ضمن دائرة الاستهداف الإسرائيلية، ولم تتخذ إجراءات حماية استثنائية لمنع اغتياله؟ وينطبق هذا الأمر أيضاً على منشآتها الحساسة جميعاً، إذ يبدو من سهولة الاستهداف وتحقيق الإصابات أنّ إجراءات حماية استثنائية لم تتخذ، كذلك لم تُستخلص الدروس من الحوادث السابقة، ربما لأنّ آلية التفكير التي تحيط بهذا الملف هي بدورها لم تتغير.

على إيران تحمّل مسؤولية أمان منشآتها النووية، ليس لحمايتها من التخريب اتقاءً لخسارتها، وللتكاليف التي يتطلبها إصلاحها، بل من أجل منع تسرُّب الإشعاعات النووية التي لن تصيب بضررها الإيرانيين فحسب، إذ يمكن أن تصيب المنطقة برمتها، وقد يحمل الهواء الغيمة المشعّة آلاف الأميال، وتصيب بلداناً تظن نفسها بمأمن من خطر ذلك التخريب، ما يؤدّي، في النهاية، إلى محاسبة إيران.

عاد الإيرانيون إلى التهديد بردٍّ قاسٍ، لكن من دون الانجرار إلى حربٍ يقرّرها الإسرائيليون

الغريب الآن تعمُّد الإسرائيليين تبني هذا الانفجار، عبر تصريح مصادر استخباراتية لإذاعة إسرائيلية، فهم لطالما رفضوا تبنّي هجمات كهذه، حتى إنّ وزير الخارجية الإسرائيلي قال مرّةً، رداً على سؤال عن وقوف دولة الاحتلال خلف تفجير نطنز الذي حدث في يونيو/ حزيران الماضي، إنّ الأفضل عدم التصريح عن نشاطاتهم في إيران، وهو كلامٌ يحمل النفي والإيجاب في وقتٍ واحدٍ. أما لماذا تبنّى الإسرائيليون هجوم إبريل/ نيسان الجاري، فليس من المعروف إن كانوا يريدون استفزاز إيران بذلك لجرّها إلى الردّ. وبالتالي، تكون فرصة للإسرائيليين لتوجيه ضربة انتقامية كبيرة تستهدف البرنامجين، النووي والصاروخي الإيرانيين، تنفيذاً لتهديداتٍ درجوا على إطلاقها بدءاً من لحظة تولي الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، ولايته الثانية في البيت الأبيض، سنة 2005.

بعد الهجوم السابق على نطنز، والهجوم على منشأة بارشين لتطوير الصواريخ، وغيرها مما بات يُعرف بـ "الهجمات الغامضة"، تعهد الإيرانيون بالردّ إذا ثبت لهم أنّ بلادهم كانت ضحية هجوم إلكتروني. أما اليوم، وبعد تبنّي الإسرائيليين المسؤولية، فقد عاد الإيرانيون إلى التهديد بردٍّ قاسٍ، لكن من دون الانجرار إلى حربٍ يقرّرها الإسرائيليون. ومع غياب أيّ رد، يقول مشكّكون إنّ الهدف من البرنامج النووي هو الدعاية للنظام الإيراني وقوته، خصوصاً في ظلّ إصراره على الاستمرار به، على الرغم من وصول مواطني البلاد إلى حافة الجوع في بعض المناطق، وتطبيق مئات العقوبات الدولية عليها، وعزل إيران عن محيطها وعن العالم وحرمانها تصدير نفطها وغازها وكلّ ما تنتجه، بسببه وبسبب البرنامج الصاروخي، علاوة على سلوكياتها العدوانية في عدد من الدول العربية.

يطرأ سؤال عن سبب لا مبالاة طهران تجاه خساراتها البشرية والمادية، وهي لامبالاة ظهرت بعد تكرّر استهداف مفاعل نطنز

وهنا يُطرح سؤال وجودي عن ماهيّة البرنامج النووي الإيراني ودوره، هل يخدم عملية تنمية البلاد وإدخالها في عالم التكنولوجيا والصناعات المتقدّمة، أم هدفه تأمين الفرصة لها لتنصيبها في مرتبة الدول المتقدمة (أو العظمى) في المجال العسكري، مع ما يمكن أن يحمله هذا الأمر من قلة استقرار، في منطقةٍ تنظر دولها بعين الريبة إلى كلّ ما تنتهجه إيران في المجال النووي أو الصاروخي أو حتى العسكري التقليدي.

إن كان المراد من البرنامج النووي هو المساهمة في تطوير إيران وتنمية اقتصادها، فقد كان له الدور السلبي في هذا المجال، مع تكاليفه المباشرة ومع الخسائر التي سببتها الهجمات المتكرّرة عليه، ومع ما جلب لها من غضب دول كثيرة، وزاد في عزلتها وتخلفها. كذلك فإنّ العقوبات التي صُبَّت على رؤوس الإيرانيين بسبب هذا البرنامج، أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار، مع الأمراض والمصاعب التي بات الاقتصاد الإيراني يعانيها. هذا من دون حساب تكلفته غير المباشرة، المتمثلة بفرض العزلة على إيران وفاتورة هذه العزلة المقدّرة بعشرات، وربما مئات، مليارات الدولارات.