في زيارة الشرع البيت الأبيض
ترامب مستقبلا الشرع بحضور بن سلمان في الرياض (14/5/2025 رويترز)
تغيّر شكل العلاقة السورية الأميركية منذ اليوم الذي أعقب سقوط نظام الأسد (الهارب)، وكان واضحاً منذ لحظة وصول الفصائل المعارضة إلى ساحة الأمويين في دمشق، أن العلاقة مع إيران قد انكسرت، وهو طريق لتغيير العلاقة مع واشنطن، الأمر الذي تحقّق بالفعل، وبخطوات متسارعة. وزاد من تسارعها وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ثمّ تعيين توم برّاك مسؤولاً أوّلَ عن الملفّ السوري، إضافة إلى وظيفته سفيراً للولايات المتحدة في تركيا، وهي المهمّة التي جعلت نافذته على سورية واسعةً، وسعى، بحكم موقعه من الملفّ السوري، وموقفه من الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى نحت شكل آخر للتعامل الأميركي السوري. وأدركت القيادة الجديدة في دمشق أهمية هذه العلاقة في إعادة بناء سورية على المستويات كلّها، وكان الطبيعي أن يبدأ بالإصلاح السياسي. فسورية حتى اليوم الأخير للأسد كانت ترزح تحت كومةٍ ضخمةٍ من العقوبات المتنوّعة (يعود أولها إلى أواخر السبعينيات).
معظم تلك العقوبات أميركي المصدر، وما تبقى منها يحظى بدعم أميركي كامل، وإزالتها هدفٌ أوَّل للشرع، الذي سعى فور توليه المنصب إلى المطالبة برفعها الفوري، وكرّر تلك المطالبة وزير خارجيته أسعد الشيباني. ويستلزم الرفع بطبيعة الحال موافقة الإدارة الأميركية، التي كانت حاضرة بالفعل، وبدأت بإزالتها بالتدريج. وفي الطريق، وجد الشرع نفسه وجهاً لوجه مع الرئيس ترامب في الرياض، حيث كانت مناسبة ذهبية ليطرح رئيس سورية نفسه بصورة مختلفة، وسيكون لدى الشرع غداً الاثنين فرصةٌ ثانيةٌ للقاء ترامب، وقد يشكّل هذا مناسبةً أخرى لرفع ما تبقّى من عقوبات.
لم يكن العامل الإسرائيلي غائباً عن العملية كلّها، فكانت حكومة إسرائيل على مقربة من المشهد، ترى كيف تحرّرت سورية وأصبحت على خطوة واحدة من العلاقات الكاملة مع الولايات المتحدة. لم تحاول إسرائيل تخريب تلك الجهود علناً، فقد كان التقارب واضحاً ويصعب وقفه، تدخّلت في تفصيلاته دول إقليمية رأت مصلحةً لها في عملية إعادة دمج سورية بمحيطها، وتقديمها إلى أميركا بصورتها الجديدة، وفي مقدّمها أحمد الشرع. لكن بما لديها من حظوة، أرادت إسرائيل أن تجعل التقارب يجري ضمن صفقة كبيرة، منها اتفاقية سلام سوريّة مع إسرائيل، وأبدى الشرع موافقةً مبدئيةً، وجرت لقاءات مباشرة وغير مباشرة بين المسؤولين من الطرفَين، وما زالت المفاوضات جاريةً، وتنجح قليلاً وتتعثّر غالباً. لم يؤثّر ذلك في مسيرة التقارب السوري الأميركي، ويبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تتقارب مع سورية بغض النظر عن نتيجة مباحثاتها للسلام، ولو أنها تفضّل أن يتوصّل الطرفان إلى قاعدة مشتركة تنهي حالة الحرب من دون أن تضغط على أيّ منهما.
الرغبة الأميركية في فتح صفحة جديدة مع سورية واضحةٌ، وتبدو الولايات المتحدة مستعدّةً في سبيلها لأن تتجاهل قليلاً مصالح إسرائيل، لصالح إقامة علاقات كاملة وحقيقية تضمن فيها عدم عودة أطراف معادية لها إلى سورية. وهي تدرك أن الضامن لذلك كلّه إدارة الشرع التي تنتظرها عقباتٌ وتحدّياتٌ كبيرة في الداخل، وفي أكثر من جبهة، فيما يستعدّ الشرع لزيارة ترامب في أول زيارة رسمية يجريها رئيس سوري للبيت الأبيض. والسعي الأميركي لهذا اللقاء بدأ بمقدّمة واعدة، طلب إزالة اسمَي الشرع ووزير داخليته من قوائم المطلوبين وقوائم الإرهاب العالمي، وهو ما جرى فعلاً قبل لقاء البيت الأبيض.
قد تعطي الزيارة منافع لسورية خسرتها منذ أكثر من 60 عاماً، لهث خلالها نظام الأسد لتثبيت حكمه، وانتهى بشكل درامي. وتحين اليوم الفرصة لكتابة تاريخ جديد من دون حساسية التعامل مع أميركا أو القرب الشديد منها. هذه الحساسية التي ضُخّمت في ما مضى، كانت من الآثار الجانبية عقوداً طويلة من تحالف سورية مع الاتحاد السوفيتي، وروسيا من بعده.