في رحيل نظيرة الحارثي

03 اغسطس 2026

نظيرة الحارثي (1977– 2026) عُمانية تخرج من قريتها المعزولة لتتسلّق أعلى الجبال في العالم، من ضمنها قمّة إيفرست التي حازت فيها قصب السبق امرأةً عُمانية، وفي بعضها امرأةً عربية، كما في قمّة جبل "K2"، وقمّة جبل ماناسلو، وقمّة جبل نانغا باربات المعروف بـ"الجبل القاتل". وهناك أيضاً قمم أخرى في فضاءات العالم الشاسع كانت فيها نظيرة الطائر الأوّل، أو ضمن سرب الأوائل الذين حلّقوا ورفعوا شارة النصر، والتقطوا صورةً أزليةً بملابس التسلّق الخشنة ذات الألوان الزاهية.
كانت متعة الصعود مضرب المثل، ولن يكون الوصول إلى القمّة سوى ركن باهت منها، كما جاء في مقولة غابرييل غارسيا ماركيز: "تكمن المتعة في صعود الجبل، وليست في الوصول إلى القمّة".
نظيرة هي أخت الشاعر الراحل محمّد الحارثي، صاحب كتاب "محيط كتماندو... رحلات في الهملايا" (مسعى للنشر والتوزيع، 2016)، الذي تحدّث عن رحلة إلى مملكة نيبال، حيث تلوح من هناك قمّة إيفرست. وتردّد في تلك الرحلة، المكتوبة ببلاغة شعرية، اسم القمّة العالمية الصعبة المنال. أتذكّر حين كنت في نيبال برفقة الكاتب محمود الريماوي، وفي قرية بخارى، حين جاءنا من يقول إنّ ثمّة طائرة يمكنها أن تحملنا إلى قمّة إيفرست القريبة مقابل مبلغ معقول. لم تَرق الفكرة كِلينا، فما فائدة هذا الوصول السهل والمرفّه والمريح إن لم تسبقه أدنى محاولة للصعود؟
اشتركت نظيرة، رحمها الله، في أندية دولية عديدة تتعلّق برياضة التسلّق، وهي من أصعب الرياضات وأخطرها. وتحدّثت في لقاءاتها عن موتى كانت تراهم في طريق الصعود، منتشرين في فجوات الجبال. وفي تلك الرحلة الآنفة إلى نيبال، سألت أوروبياً قال لي إنّه زار نيبال 12 مرّةً، وفي كلّ مرة كان يقصد صعود الجبال. سألته: هل كتبت شيئاً عن هذه الرحلات؟ فقال لي، مشيراً إلى رأسه: كلّها هنا. أي إنّه لم يكتب شيئاً في الورق، بل جميع تجاربه مسجّلة في رأسه.
لا يجد الرجل متعةً سوى في الصعود، لا في الكتابة، ولا يهمّه إن كان سيعرف أحدٌ غيره ما يفعله. ولا أعرف، ربّما صار بعد ذلك أحد الذين سقطوا من قمّة إيفرست، وربما لا يزال في قيد الحياة، فقد بدا أنّه لن يتخلّى عن هذه الرياضة الممتعة، حتّى وإن تقدّم به العمر وشاخ. بيد أنّ الرياضيين لا تشيخ أجسادهم بسهولة، لأنّ أرواحهم ما تلبث أن تعود إلى الشباب.
قال لي أيضاً، في تلك الجلسة العابرة على إفطار الصباح في الفندق النيبالي: لديّ أصدقاء عرب يحبّون التسلّق، وكنت منضمّاً فيما سبق إلى فرق دولية للتسلق، لكنّني الآن أمارس الرياضة بمعزل عن الجمعيات والناس. إذن، اختار الرجلُ، وهو على ما بدا لي في الستينيّات من عمره، الجبالَ أصدقاء له بدلاً من البشر.
نظيرة أيضاً هي خالة القاصّة والروائية العُمانية جوخة الحارثي، التي يمكن أن نقرأ في مجموعتها القصصية "ليل ينسى وداعه" (دار تكوين، الكويت، 2025)، وفي القصة الأولى تحديداً، حواراً بين شخصيّتَين يصعدان سلّم بناية. فتبدأ القصّة وتنتهي على تلك السلالم، فلم تختر بطلة القصّة الصعود عبر المصعد الكهربائي، بل عبر السلالم، فتنشئ حواراً داخلياً في ذلك الطريق البطيء.
ربّما كذلك من يصعدون الجبال العالية التي يفوق ارتفاع بعضها ثمانية آلاف متر، ينشئون حواراً مع الطبيعة. ستصعد وأنت تقرأ كلّ شيء حولك، والحضن الجبلي الذي تراه من الأسفل بعيداً لن يعود كذلك حين تقترب منه، بل سيكون جزءاً من الأرض، رواسي خلقها الله للتوازن، وأيضاً لمن شاء من عباده الصعود واكتشاف متعة أن تكون على مسافة من سطح الأرض، كما فعلت نظيرة، رحمها الله.
كانت نظيرة أيضاً موظّفةً في قطاع التعليم، وكلّ من عايشها في هذا القطاع التربوي شهد لها باللطف وحسن معاملة زملائها. وقد توالت التعازي في يوم وفاتها، يوم الجمعة الفائت، وكلٌّ يعبّر عن صدمته، مثلما كتبت إحدى صديقاتها: "عرفتها امرأةً ملهمةً ونشيطةً ومتواضعةً ومتفائلةً. صنعتْ لها طريقاً خاصّاً جدّاً تحفّ به المخاطر والتحدّيات، لكنّه كان شغفها الأوحد، وبه تكتب رسالةً عن التحدّي والإصرار والمخاطرة، وكأنّها جميعاً سرّها لمواصلة الحياة، ومتعة لا يستسيغها كثيرون ويتردّدون في اقتحامها. كانت تعشق القمم الصعبة، وكانت تضع علم عُمان في كلّ قمّة تصل إليها، كمن يريد لوطنه أن يكون دائماً في القمّة".

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي

كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية

محمود الرحبي