في رحيل رجلٍ أحبّه كل من عرفه

في رحيل رجلٍ أحبّه كل من عرفه

02 اغسطس 2021
الصورة

صادق جواد سليمان .. المثقف والدبلوماسي العُماني المثقف

+ الخط -

رحل عن دنيانا قبل أيام الدبلوماسي والمفكر العُماني، صادق جواد سليمان، مؤسس مركز الحوار العربي في واشنطن، عن نحو ثمانين عاما. عمل في السبعينيات والثمانينيات سفيرا لبلاده في أكثر من دولة، منها إيران وأميركا. تميزت تجربته بالتفاعل في مجالات اجتماعية وثقافية، حيث ترأس كذلك الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء. ترك حوارات صحافية وإعلامية عديدة، كما تتميز آراؤه البينية بالنضج والحكمة. كتب عنه جمال خاشقجي، حين التقاه أول مرة، مع صورة تجمعهما: "خذ من الحياة ما صفا ومن العيش ما كفى، تعلمت هذه الحكمة الليلة من هذا الحكيم العُماني صادق جواد سليمان".
نقول ذلك من دون إغفال أنشطته ذات الطابع الجماهيري، إذا استحضرنا وقفته أيام الحراك العُماني الذي كان صدىً للربيع العربي. لم ينثن، على الرغم من عمره المتقدّم وخلفيته المهنية، عن مشاركة الشباب أحلامهم بالتغيير. وهو ما كتبه أخيرا ناصر صالح، في مقال نشره في مجلة الفلق الإلكترونية: "كانت اعتصامات 2011 حدثاً كبيراً وانعطافة هامة في مسيرة صادق جواد، الإنسان والمفكر، ففي حين نأى الكثير من المثقفين العُمانيين بأنفسهم بعيداً عن ساحات الاعتصامات، والبعض منهم خوفاً أو طمعاً، كان صادق جواد سليمان، وهو على مشارف الثمانين من عمره، متواجداً في مسرح الاعتصام بمسقط منذ الأيام الأولى، فقد كان ذلك الحدث بالنسبة له، كصاحب رسالة فكرية وخلقية، فرصة للتواصل مع الشباب والأجيال الجديدة من أجل تعميق المعرفة، وتنوير الوعي. كانت حواراته البسيطة والعميقة في تلك المنتديات العفوية مع المعتصمين مصدر إثراء معرفي وتنويري، ومن يومها عرفه وأحبه الكثيرون وتأثّروا به".
أكثر ما تركه الراحل مجموعة من الحوارات المتفرّقة معه، تنم عن ثقافة موسوعية في علوم الأديان والفكر المقارن. وكانت البداية في مجلة نزوى، حين حاوره الكاتب ناصر صالح أول مرة في أحد أعداد العام 2006، إلى جانب حوار أجراه معه الكاتب يعقوب الخنبشي في الملحق الأدبي "أقاصي"، بالإضافة إلى محاضرات في أكثر من فضاء تعليمي وثقافي، ناهيك عن حواراته في المركز الذي كان يترأسه في أميركا. كل هذه الذخيرة، من المؤمل أن ينشرها أصدقاؤه في كتابٍ يقرّب القارئ أكثر من شواغله وعالمه التفكيري، وهو الذي فضّل أن تكون حياته بدون مؤلفات مطبوعة، إنما حوارات وأحاديث صحافية.
أجرى كاتب هذه السطور حوارا تلفزيونيا مع صادق جواد سليمان لصالح اليونسكو، حين كانت مسقط عاصمة الثقافة العربية، في العام 2006 الذي رحل فيه نجيب محفوظ. وفي اليوم نفسه الذي رحل فيه محفوظ، رحل أيضا مثقف عُماني ينتمي للهامش، لم يترك أي كتاب، حسن باقر عبد الرب اللواتي، الذي كتب عنه الشاعر سعدي يوسف يوم رحيله مقالا، نشره في مجلة كيكا الثقافية، كما ألف عنه أصدقاؤه كتابا تكفّل بجمعه وطباعته الشاعر المغربي إدريس علوش تحت عنوان "حسن باقر عبد الرب .. الرحالة الذي نثر كتبه عبر سبل الحياة"، ومن الغريب أن حسن باقر وصادق جواد سليمان ينتميان للعائلة نفسها. في الحوار الذي أجريته معه، أتذكر أن صادق جواد طلب أن يكون في شقة في إحدى حارات المدينة التجارية روي. لينكشف المشهد عن حيز بسيط، تختلط فيه الكتب بالمتلاشيات. وقد اتصف اللقاء بالهدوء وتسلسل الأفكار بعربية فصحى جزلة. يتقن كذلك صادق جواد اللغة الإنكليزية، ولا بد أنه ترك ذخيرة مهمة في أثناء تفعيله جلسات الحوار في أميركا، فقلة هم السفراء والدبلوماسيون الذين لم يكن عملهم مغلقا بدوائر العمل، إنما تركوا أثرا حواريا وثقافيا تفاعليا في كل مكان حلوا فيه. لذلك، اتسمت حياة الراحل صادق جواد بصبغة فكرية تفاعليه مثمرة. رحمه الله.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي