في ذلك اللقاء بين حافظ الأسد وكمال جنبلاط
لم يكن حافظ الأسد يمزَح عندما قال لضيفه كمال جنبلاط، في آخر لقاء لهما في دمشق في 26/3/1976: "نحن نتطلّع إلى موريتانيا على أنها من شعبنا، فبالأحرى إلى لبنان"، فثقافة الرجل العروبيّة، البعثيّة، كانت متوطّنة في مداركه. ولكن "وحدوية" الأسد الأب هذه، بالتنظير الذهني لها، ليست مشكلتنا معه، بل "حصاد" حكمه ثم حكم نجله 54 عاماً: شقاق بين سنّة وعلويين في غلاف حمص، ومجازر في أريافٍ ومدنٍ في الساحل السوري، وهذا الذي يتبدّى احتراباً شرساً بين بدو سنّةٍ ودروز متجاورين في السويداء. تدلّ خرائط الصدع الطائفي (والاجتماعي) هذه، ومثلها كثير، على أن سياساتٍ باهظة الأكلاف الأمنية والاجتماعية اتُّبعت في عموم سورية خرّبت الشعور الوطني الجامع بين أهل البلد الواحد، الذين سيَفترض واحدُنا أن ما تُحقّق هذا الشعور عدالةٌ في الفرص والتنمية والشراكة والتمثيل والحضور، مع الاطمئنان لدولةٍ راشدةٍ لا مظلوميّات فيها لأقلياتٍ وأكثريّات. ويدلّ المشهد السوري، بالتشظّي الطائفي الظاهر فيه قبل أن يجلس أحمد الشرع في مقعد بشّار الأسد، على أن في وُسع موريتانيا أن تنتظر قبل التحاقها بالشعب الذي حدّث عنه الأسد الأب جنبلاط الأب في "اللقاء القاتل" بحسب تسمية الباحث هادي وهاب، واستمرّ سبع ساعات ونصف ساعة، وقرأنا محضره في كتابٍ صدر أخيراً (نوفل، بيروت 2025)
يستصعب صاحب هذه المقالة أن يكتبَ هنا إن رؤية حافظ الأسد في محاورته ضيفه في التعاطي مع تكوينات لبنان وطوائفه يُحتاجُ إليها في اللحظة السورية الراهنة، شديدة الحساسية. مبعثُ الصعوبة أنَّ لا وصف لباني دولة البوليس والقهر والاستبداد في سورية سوى أنه ديكتاتورٌ قاتل، وجرائم عهده مشهودةٌ في حماة وغيرها، وأيضاً في أن هذا الرجل صاحبُ سهمٍ وازنٍ في المسؤولية عن الكارثة التي تقيم فيها سورية، بعد كل التمويت والتهديم اللذيْن اقترفهما ابنُه بعد انتفاضة 2011. ولكن المنطق الذي يردّ فيه على مطلب كمال جبنلاط، أن تشارك سورية عسكرياً في "كسر" الكتائب في لبنان في غضون الحرب الأهلية، يصلُح للإفادة في النظر إلى "السوريين" شعباً، لا طوائف. وإنْ سيقول قائلٌ، محقّاً، إنّ الأمور بخواتيمها، وإنّ حافظ الأسد بعد تدخّله العسكري في لبنان (12 ألف جندي بعد شهرين من "اللقاء القاتل")، لا من أجل حماية "الكتائب"، بل من أجل عدم "كسر" توازناتٍ طائفيةٍ بين مسيحيي لبنان ومسلميه، انعطفَ إلى خياراتٍ أخرى، نتيجة مفاعيل تتابعت، في لبنان وسورية، وشرحُ هذا طويل.
صحيحٌ أن المنطقين تباعدا في سجال الضيف والمضيف، عندما بسَط كلُّ منهما دفوعاتِه بشأن تدعيم فكرته، الزعيم الوطني اللبناني الذي يريد بلده اشتراكيّاً، ويطرح تصوّراً لإصلاح سياسي في لبنان يلغي الأخذ بالطائفية (لا يمانع في بقاء رئيس الجمهورية مسيحيّاً مارونياً)، ويرى أن هزيمةً كبرى لحزب الكتائب وما يمثله ضرورةٌ لهذا، غير أن الرئيس السوري لا يأخُذ بهذا، ويمتنع عن المضي فيه، مع حرصٍ شديدٍ لديه على ألا يتبدّى المشهد قتال مسلمين ضد مسيحيين، ويضع وقف التقاتل أولى الأولويات، ويأخُذ بالاعتبار المواقف الدولية، الأميركية وغيرها، ويتخوّف من تدخّلٍ إسرائيلي. وفي الأثناء، يحدُث أن يتمازح الرجلان، وأن يتحدّثا عن سعيد عقل، وعن دريد لحّام وأبو كلبشة.
يقول الأسد إن أي مجازر طائفيةٍ لطخةٌ في تاريخ الشعوب بغضّ النظر عمّن هو المسؤول عنها، أو عن الذي حرّكها بشكل أو بآخر. ويقول: "إذا قهرتُ الكتائب معناها قهرتُ المسيحيين في لبنان". أما جنبلاط فيُخبر الأسد بأنه لم يعُد منذ 1948 يصيد العصافير، رحمة بالعصافير، إلا أنه صار مقتنعاً، "كضمير إنساني"، بأنه مجبورٌ أن يضرب هذه "الجماعة حتى نرتاح ويرتاح البلد من الذبح على تذكرة الهوية". وعندما يلحّ "هالمرّة لازم ياكلوها. ولو شوية"، يسترسل الأسد في الرد، ويقول "لا أحد قادرٌ على أن يفرز الكتائب عن جمهور واسع من المسيحيين". ويقول إنه مسلم وأدخل قواته (المحدودة قبل التدخّل الواسع) إلى لبنان للدفاع عن المسلمين. وفي موضعٍ مهم، يوضح جنبلاط أنه لا يمثّل (في لبنان) الدروز، بل كل المسلمين، وكل الصفّ الوطني من مسلمين ومسيحيين وغيرهم.
المؤدّى أن حافظ الأسد كان ينزع إلى التفاهمات، إلى أولوية حقن الدماء، إلى إقامة مفهوم الأمّة، إلى الحفاظ على التوازنات المذهبية والدينية والطائفية، إلى المسايسة، إلى المؤانسة والتباسُط مع ضيفٍ يجادله باحترام، فيما اثناهما يعتدّان بما يقولان... تُراها مجازفةً أن ينكتبَ هنا إن ثمّة حاجةً سوريةً راهنةً إلى شيءٍ من حافظ الأسد ذاك، لا من حافظ الأسد التالي؟