في دلالات "لعبة الحبّار"

في دلالات "لعبة الحبّار"

08 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

حقق المسلسل الكوري "لعبة الحبّار" نسبة مشاهدات كبيرة في "نتفليكس"، وهو من تأليف الكوري الجنوبي هوانغ دونغ هيوك وإخراجه. الغريب أنّ سيناريو المسلسل ذي الحلقات التسع ظل في أدراج المؤلف زمناً طويلاً، لم يجد له جهة تدعمه، وحين تبنت إنتاجه "نتفليكس" بلغت تكلفته 15 مليوناً ونصف مليون دولار، بينما حقق أرباحاً (حتى تاريخه) تقدَّر بـ850 مليون دولار. وكان الدور المتقن الذي أدّاه الممثل سونغ لي هون إضافة كبيرة إلى نجاح المسلسل، لما يتمتع به من مزج بين حسّ البراءة والفكاهة، وقد كان لطبعه الصادق دور في إضفاء أبعاد إنسانية على المسلسل الشائق الذي يعتمد لعبة الموت. تقوم اللعبة، طوال تسع حلقات، على قتل المهزوم، حين يتقدم أربعمائة متسابق للدخول في اللعبة القاتلة.
يبدأ المسلسل بتتبع حياة شخصيات يجعل منها نماذج للاعبين الذين تدفعهم الحاجة المالية، وهروباً من تهديد البنوك، وتحت حاجات ملحة اجتماعية ونفسية، إلى أن يستجيبوا لدعوات منظمة سرّية تتمكّن من الوصول إليهم، نظراً إلى سجل حاجاتهم المالية القاهرة، فتوزع بطاقات عليهم، لرقم لا يمكن الاتصال به إلا مرة واحدة. وحين يقبلون بالمشاركة، مع عدم علمهم بطبيعة هذه اللعبة، ثم يُفاجأون بأنهم أمام سلسلة من الألعاب تنتهي الأولى بقتل نصفهم. بعد ذلك، يُطلب منهم الاختيار إن كانوا سيستمرون في اللعب أو ينسحبون، إذ يكون في انتظار الفائز في النهاية ما قيمته أربعون مليون دولار، إن تمكّن من إكمال جميع فقرات اللعبة. يفضلون الانسحاب، حين يرون أن نصفهم قد ماتوا. لكنّ دورة إعادتهم إلى اللعبة تبدأ من طريق توزيع أرقام الهواتف لهم، وأمام الحاجة الملحّة للمال يستجيبون لإكمال المغامرة، فتستمر الإثارة في المسلسل الذي يمثل، في عمقه، إدانة للرأسمالية المتوحشة التي تجعل من أرواح البشر مادة للتسلية. وتظهر في الحلقة الأخيرة من المسلسل مجموعة من أثرياء العالم، ومن جنسيات مختلفة، يضعون أقنعة حيوانات متوحشة، وقد كانوا يتابعون بحماسة، منذ البداية، لعبة الموت القاتلة. كانت هذه الوحشية التي تستغل الحاجة الملحة للمال مصدر تسلية لهؤلاء الأثرياء، وكانت رؤية الصراع على البقاء والفوز تزداد حماستها من لعبةٍ إلى أخرى، حتى نصل إلى الحلقة التاسعة (الأخيرة)، حيث لا يخرج سالماً إلّا شخص واحد، هو بطل المسلسل، سونغ لي هون، الذي حين خرج وجد أمه ميتة في البيت. ولأنّه شهد قتل حوالى أربعمائة شخص، لم يتأثر لموت أمه. وهنا نقف أمام أحد أبعاد المسلسل ودلالاته، حين نرى كذلك أنّ المال الذي جناه البطل كان مصدر تعاسته، حين لم يستطع أن يلمس منه شيئاً عموماً، بسبب قوة تأنيب الضمير، حين شعر بأنّ هذا المال لم يكن له أن يحصل عليه لو لم يدُس مئات الجثث.
من المشاهد التي حملت بعداً عميقاً، أنّ العصابة، مع انتهاء اللعبة، تترك البطل الفائز في الشارع تحت المطر، بعد تخديره كي لا يرى الطريق. وحين يستيقظ في الظلام يكتشف أنّ المبلغ الضخم وضع في فمه في هيئة بطاقة سحب. وبعد عام من تأنيب الضمير، يقرّر تغيير حياته، ويتقدّم مسافراً إلى ابنته في أميركا. وفي الطريق، يجد رجلاً بائساً لديه تلك البطاقة نفسها التي فيها رقم الاتصال بعصابة الموت، أصحاب لعبة الحبّار؛ فيأخذ منه البطاقة بعد صراع، ويتصل بالعصابة مقرّراً الانضمام إلى لعبتهم مرة أخرى، ربما بغرض الانتقام منهم، وهو ما جعله المخرج أفقاً لانتظار المشاهد، ربما لموسم آخر من هذا المسلسل الذي حقق نسبة مشاهدات كبيرة، جعل كثيرين يشتركون في "نتفليكس" للمرة الأولى، بدافع وحماسة، لمشاهدة تفاصيل هذه اللعبة الخطرة.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي