في خوف إسرائيل من ثقل "محور إقليمي جديد"

22 يوليو 2026

ثمّة كثير من خيوط التلاقي لدى المحلّلين السياسيين والعسكريين في إسرائيل في تأويل التحرّكات التي تندرج أخيراً في إطار تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين تركيا ومصر وباكستان، ومبلغ انعكاسها على إسرائيل. ولعلّ أكثرها أهمية من حيث دلالتها أنّ هذا التنسيق قد يفضي إلى نشوء محور جديد يجمع، في قراءة إسرائيل، بين دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) ذات صناعة دفاعية متطوّرة وتقنيات طائرات مسيّرة وحرب إلكترونية (تركيا)، وأخرى صاحبة أكبر جيش عربي وموقع استراتيجي محوري محاذٍ لإسرائيل (مصر)، ودولة ثالثة تمتلك سلاحاً نووياً وخبرة عسكرية ضخمة (باكستان).

وبالإمكان إجمال أبرز الاستخلاصات الإسرائيلية في هذا الشأن ضمن النقاط التالية: أولاً، ثمّة تنامٍ متواصل للتعاون العسكري بين مصر وتركيا مثلت عليه مناورة عسكرية مشتركة حملت اسم "العقاب الذهبي" قبل أيام، بعد توقيع اتفاقية إطار للتعاون العسكري قبل نحو خمسة أشهر، خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القاهرة في فبراير/ شباط الماضي. وركّزت المناورة على مواجهة الطائرات المسيّرة وتنفيذ تدريبات رماية في نطاق سيناريوهات غير تقليدية، وشارك فيها مقاتلون من وحدات المظليين والقوات الخاصة في الجيش المصري إلى جانب قوات خاصة من الجيش التركي. ووفقاً لمصادر أمنية وسياسية إسرائيلية رفيعة المستوى، تعكس مجمل القدرات العسكرية التي ظهرت في المناورة استعداد الجيشَين لمواجهة تهديدات المستقبل، وليس حروب الماضي. وبالتوازي مع هذه المناورة المشتركة مع تركيا، أجرت مصر لقاءات عملياتية مع البحرية الباكستانية، ما يدلّ على أن القاهرة توسّع، في الوقت نفسه، دوائر تعاونها العسكري لتشمل جنوب آسيا أيضاً.

ثانياً، ينقل أحد التحليلات عن مصادر أمنية إسرائيلية أنّ مصر تؤكد، في اتصالاتها مع الولايات المتحدة، أن توسيع التعاون مع تركيا وباكستان لا يشكل، بالضرورة، محوراً معادياً لإسرائيل، بل يهدف أساساً إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها على طرف واحد. غير أنّ كاتب هذا التحليل يشدّد، في الوقت نفسه، على أنّ التدريبات العسكرية والاتفاقيات الأمنية واللقاءات بين مصر وتركيا وباكستان تنبئ بأنّ تعاوناً استراتيجياً أوسع آخذ بالتبلور تدريجياً من وراء الكواليس، فالدول الثلاث لم تعد تكتفي بالتصريحات السياسية، بل تعمل على بناء قدرة مشتركة في مجالات القوات الجوية والبحرية والقوات الخاصة.

ثالثاً، هناك تنويه بأنّ إسرائيل ما زالت تقدّر في هذه المرحلة بأنّ الدول الثلاث تسعى إلى التكيّف مع واقع إقليمي جديد يتّسم بتراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، وبالغموض بشأن الالتزام الأميركي، وبتصاعد التنافس على طرق التجارة والطاقة. غير أنّ هذه المعطيات قد تتغيّر بسرعة، وقد يتحوّل هذا التعاون مستقبلاً إلى تحالف عسكري ذي ثقل موجّه ضد إسرائيل، ويكون حتى أكثر خطورة من المحور الذي تقوده إيران. هذا ما كتبه مثلاً يوني بن مناحيم، وهو محلل لشؤون الشرق الأوسط وشغل منصب المدير العام لسلطة البث الإسرائيلية، الذي أكّد أن إسرائيل تتابع هذه التطورات عن كثب، انطلاقاً من إدراكها أن أي تغيّر في ميزان القوة بين القوى الإقليمية قد ينعكس مستقبلاً على بيئتها الأمنية والجيوسياسية. وفي قراءته، لا تزال إسرائيل تعتبر اتفاقية السلام والتعاون الأمني مع مصر رصيداً استراتيجياً مهماً. ومع هذا، تفيد المصادر الأمنية بأن التقارب المتسارع بين القاهرة وأنقرة يستوجب متابعة دقيقة، خصوصاً في ظل سياسة الرئيس أردوغان الإقليمية الرامية إلى تعزيز دور تركيا قوةً قيادية في العالم الإسلامي وعاملاً موازناً للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

رابعاً، هناك استشعار إسرائيلي بأن تحوّلات ذات طابع دراماتيكي طرأت على موقف تركيا منذ 7 أكتوبر (2023). وتأتي في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط عملية إعادة تشكيل، أبرزها بالنسبة إلى إسرائيل أن تركيا تتبنى في الفترة الأخيرة خطاباً سياسياً متشدداً تجاه إسرائيل، وتكرّر التحذير من اتساع نفوذها الإقليمي، وتحظى بمكانة خاصة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.