في خمسين "بس يا بحر"

في خمسين "بس يا بحر"

05 نوفمبر 2021
الصورة

سعد الفرج (يسار) ومحمد المنصور (يمين) في مشهد في فيلم "بس يا بحر"

+ الخط -

قبل خمسين عاما، عُرض في القاهرة أمام نقاد فنونٍ وصحفيين مصريين، الفيلم الكويتي "بس يا بحر"، أياما بعد استكمال مراحل فنيةٍ في إنجازه في معامل "استوديو مصر"، بعد تحميض "النيغاتيف" السالب له في الكويت. استقبل هؤلاء، في ما كتبوه وقالوه، الفيلم، بعد ذلك العرض الخاص، في عاصمة السينما العربية، بإعجابٍ كبيرٍ به. وقبل أزيد من أسبوعين، غادر الحياة مخرُجه، خالد الصدّيقي، عن 76 عاما، والذي اقترن اسمُه مع "بس يا بحر"، فتُنسى، غالبا، أفلامٌ أخرى له، وتُغيَّب مسيرتُه وخبراتُه، منتجا ومصوّرا وكاتبا، وهو الذي كان يُنجز أفلاما وثائقية منذ 1964، وأسّس في العشرين من عمره قسما للسينما في تلفزيون الكويت. وإذ ثمّة بواكير أولى لإنتاجاتٍ سينمائيةٍ تعود إلى ما قبل الستينيات في البلد العربي الخليجي الناهض، وإذ يسجّل للإعلامي العتيد، محمد السنعوسي، إخراجُه في 1965 فيلما روائيا طموحا، مدّته نصف ساعة (العاصفة)، فإن خالد الصدّيقي يعدّ رائد السينما الكويتية، والخليجية بداهةً، السينما الاحترافية، في "بس يا بحر"، الفيلم الخليجي الأول، المكتمل تماما في كل عناصره، والبليغ في إتقان مفرداته المشهدية والبصرية، والذي لم يتزيّد من وصفوه "تحفةً". ولم يُجامل المخرج العراقي، قاسم حول، أحدا، لمّا وصف الصدّيقي بأنه مخرجٌ عالمي، وفيلمَه بأنه "لؤلؤة السينما الخليجية". ولم يكن مفاجئا أن يُحرز هذا الفيلم المنزلة 19 من بين أفضل مائة فيلم عربي، في استطلاعٍ مهنيٍّ أنجزه في 2013 مهرجان دبي السينمائي (شارك صاحب هذه الكلمات في التصويت في الاستطلاع).

عندما ترى، "بس يا بحر" (بطولة سعد الفرج، حياة الفهد، محمد المنصور، ..)، بالأبيض والأسود، بعد خمسين عاما على إنجازه، تدرك أي موهبةٍ خاصّةٍ كان عليها الشاب المحبّ للسينما، والذي تدرّب على التصوير في بومباي، ودرس في أميركا وبريطانيا، خالد الصدّيقي، وستقع على الخسارة الفادحة في السينما الخليجية، عندما لم تُنفّذ مشاريع فنيةٌ وسينمائيةٌ كان الراحل يطمح أن تتحقّق، بسبب المعيقات المالية والتقليدية العربية، وإنْ قدّم فيلما طيبا آخر "عرس الزين" (عن رواية الطيب صالح). وستأسى عندما تعرف أن هذا الرجل كان، في سنوات عمره الأخيرة، يُنجز أفلاما، قال عنها إنها متقنةٌ أيضا، عن مشروعات شركاتٍ تجاريةٍ ومصانع وبضائع، ولأن لا صلة لها بالسينما التي كان يحلم بها منذ شبابه، فإنه كان يضع عليها اسما مستعارا. كتب مرّة (مجلة الفيصل، يوليو/ تموز 2018) أنه، في ذلك الشباب، كان يسمَع، في أسفاره، أن الكويتيين وُلدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، فاستشعر ضرورة إنجاز فيلم سينمائي، متقدّم فنيا وجماليا، عن كفاح أهل بلده وكدّهم، في زمن ما قبل النفط، من أجل العيش الكريم، في أجواء الفقر والبساطة. ثم يصادف قصةً للإماراتي، عبد الرحمن الصالح، فتُغريه بإعداد سيناريو منها، بمشاركة الكاتب وآخرين، لفيلمٍ عن ناس الكويت في الثلاثينيات والأربعينيات، لمّا كان صيد اللؤلؤ مهنتهم الغالبة. انصرف الفيلم (تم بكلفة 125 ألف دينار كويتي) إلى تفاصيل الحياة، إلى الثقافة الشعبية، إلى الناس في أشواقهم وأحلامهم وانكساراتهم وأفراحهم. لم ينته بالنهاية الفرِحة التي كانت غالبةً على أفلام ميلودرامية عربية كثيرة. لا، لقد مضى الشاب، وحيد والديه، إلى البحر، ليعمل ويصطاد اللؤلؤ، وليأتي بهديةٍ منه لعروسه. خاف عليه من البحر والدُه الذي أكل سمك القرش قدمه، ثم رضي، غير أن الشاب يمضي إلى الموت في البحر.

ظنُّ الصدّيقي في محلّه لمّا كتب إن "بس يا بحر" هو المادّة المرئية الوحيدة الموجودة في العالم عن الكويت قبل اكتشاف البترول، وأن في الوسع عدّه مرجعا سينمائيا صالحا لدراسةٍ أنثروبولوجيةٍ لبيئة الكويت قبل النفط. وفي حسبان كاتب هذه السطور أنه يُمكن الإتيان على هذا الفيلم في دراسة تطوّر الصورة السينمائية العربية، فقد كان خلاقا واستثنائيا من فيلمٍ كويتي، في العام 1970، تصوير مشاهد فيه تحت الماء، وبتنفيذٍ فائق الإبداع والإتقان، كما المشاهد في البحر الغاضب والهائج، على القوارب، مع الموسيقات والأهازيج والإيقاعات الموصولة بقلقٍ ثقيل في نفوس الناس وأنفاسهم. ليُنبئ الفيلم عموما عن فجائعيةٍ في كفاح بسطاء الكويت، عندما يقسو عليهم البحر، لمّا يكون أكولا، غادرا، فيما هو مورد أرزاقهم أيضا.

كثيرٌ في "بس يا بحر" يحسُن أن ينكتب عن الجميل والمدهش فيه، ولكن الأجدى أن نشاهده، مرّات وأكثر. .. رحم الله خالد الصدّيقي.