في حضرة السوبرماركت

17 نوفمبر 2020
الصورة

(حسن جوني)

+ الخط -

من عادتنا زيارة السوبرماركت على عجل، نحن أبناء الطبقة الوسطى في لبنان، دافعين بيدٍ العربة الحديدية أو السلّة البلاستيكية، وحاملين بالأخرى لائحة مشترياتنا، جائلين بين الممرّات، مستلّين من هنا وهناك احتياجاتنا ونحن بالكاد نلتفت إلى أسعارها، مستفيدين أحيانا من عروضٍ مغرية متكاثرة، ومتدافعين إلى الصندوق، لكي نتفادى الوقوف في صفوف طويلة لا تنتهي.
اليوم، وبعد ما وصلنا إليه من تقتير وفقر حال وبطالة وخسائر بالرزق والمال، صرنا ندخل السوبرماركت بصمت كمن يدخل مكتبةً، نطالع المربعات الصغيرة كما لو كنا نطالع العناوين، وما أن نجد ما يشير إلى ثمنٍ معقول، نتلقّفه من دون أن نناقش حاجتنا إليه، جودته أو نوعيته. أجل، بتنا نلج السوبرماركت، نحن أنفسنا وهو نفسه، بكل وجلٍ وتوجّس، كأنما نحن مقبلون على كرسي الاعتراف، حيث سنظهر على حقيقتنا، متخفّفين من صورتنا الاجتماعية، تلك التي من زيفٍ وذرّ رماد في العيون. فنحن، في السوبرماركت ذاته، بتنا آخرين، تختلف مظاهرنا، ويتبدّل سلوكنا، ويتغيّر إيقاعُ حركتنا، فيما نحن نجول بين الأروقة والممرّات بقصد "زيارة" تلك الأغراض التي لم يعد بمقدورنا شراؤها، أو مقارنة سعرها الأوّل المعتاد بأسعارها المستجدّة المتّجهة صعودا باستمرار. نتنقل ببطء، بخشوع، كأنما معتذرين أو متلبّسين في ولوج مكانٍ ممنوعٍ على أمثالنا، دامعين مترحّمين على ما كان بالإمكان أخذه في الأمس القريب، بكل خفّة.
انهارت الليرة اللبنانية وسعر صرف الدولار ارتفع بوقاحة، لكن التجّار سارعوا إلى استباق ارتفاعه بأن رفعوا الأثمان دونما منطق أو رقيب. العروض والتنزيلات أصبحت في خبر كان، والبضائع الباهظة التي كنا نراها في البرّادات، وعلى الرفوف، صارت في غياهب النسيان، ومحتوى العربات والسلال والأكياس إلى تناقصٍ وتدنٍّ وتراجع. الألبان والأجبان، اللحوم والأسماك، الحبوب والخضار، أدوات التنظيف، المحارم، كلها ما زالت متاحة. لا انقطاع في البضائع، ولا قلّة، حتى الآن، نعم، لكنّ أسعارها تُخرج العيون من محاجرها، تصيب بالدوار والغثيان، أو تستدعي شهقاتٍ تكرّ كالمسابح في أفواه الواقفين صاغرين أمامها. الزبائن الثوار الذين يتحدّون نظرات الباعة معترضين علانية، قلّة، فمن ذا الذي يجرؤ على التخلّي عن صورته الاجتماعية، وما يكلّفه ذلك في بلادٍ لا قيمة للإنسان فيها إلا بقدر ما يملك، أو يوهم بأنه يملك. وأما الزبائن الاعتياديون، أبناء البلد الكادحون، العاملون، المياومون، الموسميون، فلم نعد تراهم ههنا، إذ أخرجوا من نعيم طبقتهم ليُحشروا في جهنم العوز، بين أرتال من باتوا يعيشون أدنى من خط الفقر بكثير.
تتململ السيدة الستّينية بثيابها المتواضعة، ويديها الخشنتين، ووجهها المحتقن بالدماء، قائلة للواقف وراء ثلاجة اللّحوم بصوتٍ خفيض: لقد طلبتُ أوقية من اللحم المفروم لا أكثر! فيجيبها ذاك بلهجته الجبلية، وصوته المرتفع، إن الزائد هو 30 غراما لا أكثر. تتلعثم المرأة وتخفض رأسها حياءً، لأن ثمة من ينتظر دوره، ثم تنسحب إلى حيث المنتجات المبرّدة. وما أن تغيب عنها الأعين، حتى تلقي كيس اللحم المفروم من يدها. 30 غراما ثقيلة جدا عليها، 30 غراما زائدة لم تحسب لها حساب، قد تفرغ محفظتها من نقودٍ حسبتها لأمر آخر.
نغادر السوبرماركت بأغراضنا القليلة المنتقاة بحذر وعناية، شاعرين بالقهر، بالقلّة، بغصّة تغلّف أيامنا وليالينا وقد أفرغتنا من كل أمل، من أدنى حقّ. نحمل الفاتورة التي سدّدنا ثمنها، لنعيد في كهف سياراتنا أو بيوتنا، قراءتها والتأمّل في عجائبها. وإذ يفيض بنا الشقاء، نلجأ إلى مخابرة "واتسابية" نفرّج بها عن كربنا، فنتبادل والآخر أخبارَ ما بلغته الأسعار من صلفٍ وعتي، مرتعدين من اقتراب موعد قدوم "تسونامي" رفع الدعم عن السلع الأساسية، عندما سيتعذّر على معظمنا شراء لفافة خبز.