في حبِّ الرؤساء الإتقان في العمل

في حبِّ الرؤساء الإتقان في العمل

19 اغسطس 2021
الصورة

(إبراهيم الصلحي)

+ الخط -

كان لنا زميل منافق يتكسّب بالكذب، يذكّرنا بأجمل أقوال الرئيس حافظ الأسد: العمل بهجة الحياة. وكانت بهجة الرئيس الأولى هي الإفساد في الأرض. واجتهد الرئيس كثيرًا في بهجتين وأتقنهما: استعباد الشعب، وتأليه نفسه. وقرأت لرفعت السعيد أنّه طلب من الرئيس حسني مبارك أن يعمل بالديمقراطية، ويدخل التاريخ، ففضَّل مبارك القصر على التاريخ، وكان مبارك يعلم أنَّ ولاة أمره لن يسمحوا له بأن يدخل التاريخ من الباب.

استهوى الحطيئة الهجاء، حتى هجا أمّه وهجا نفسه. لكن يحدث أن تستبدَّ الحرفة بصاحبها، فتأخذه منه نفسه فيصير عبدًا لها (؟؟). في رواية "ميميد الناحل" للكاتب التركي يشار كمال يقصُّ الظالمون أثر ميميد، فيقصدون القيّاف علي الأعرج، فيرفض أن يبيع صاحبه بمال الدنيا، ثم اقترح أحد العارفين بهواه، فأشار عليهم بحمله بالقوة إلى آخر مكانٍ ترك فيه ميميد الناحل أثرًا، فاشتغل عند الأعرج هرمون القيافة، وشمِّ الأثر، فقلب الحجارة وشمَّ الرمال، وهو يقرؤها ويشرح بدقةٍ ما فعله حتى وصلوا إلى صاحبه ميميد واعتقلوه.

تعجبتُ أنَّ صحافيًا أخبرني أنّه في إجازة، وكنت أظنُّ الصحافي لا ينال إجازة عمل، مثل الطبيب والمهندس، فإذا أخذ إجازةً مات. وقد حوّلت العلمانية الشاملة، كما يقول عبد الوهاب المسيري، البشر إلى عبيد للبيروقراطية. العلمانية جعلت الوظيفة تتحكّم بالإنسان، وليس لخدمة الإنسان، فجعلته عبدًا. وأذكر من طرائف المشاهدات الكوميدية أبو كلبشة في "صحّ النوم" يمهّد لغوار حتى يفرَّ ويثير القلاقل في الحارة، حتى يتجنّب أبو كلبشة التقاعد، ويبقى رئيسًا لمخفر الحارة. وفي مسرحية "عبد السميع اللّميع" لسمير غانم، يقول البويجي عبد السميع مهددًّا الرجل "إبراهيم سعفان": نفسي ألمّع جزمته وأوريه هو مين... أرى الناس تنزّه كلابها، فتخرج، فتشمُّ كل سطر من الأرض، أما الهررة، فعملها الصيد، فهذه غرائزها، ويجب ألّا نخلط بين الطبع والتطبّع، والغريزة والعمل. وكان عنترة بن شداد، مثل الزبدية الصيني؛ يحبُّ عبلة والحلب والصرَّ والكرَّ والفرَّ. وفي فيلم "جسر على نهر كواي" الذي تدور أحداثه في أثناء الحرب العالمية الثانية في معسكر ياباني للأسرى من الجيش البريطاني في جنوب تايلاند، يجبر الجنرال الياباني تاسو الأسرى على بناء جسر خشبي على نهر كواي، لينقل قطارات الجيش الياباني عليه خلال الحرب، فينخرط الجنرال الأسير نيكولسون في العمل حتى يُخلص فيه، لصالح العدو، ثم يصحو، ويدمّر الجسر كونه يخدم العدو الياباني. أما طرائف النحويين في النحو والصرف فلها مؤلفات وتصانيف.

وقرأت مندهشًا من إخلاص السجّانين السوريين في القتل والتعذيب، حتى إنهم في أيام الاستراحة يعذّبون المعتقلين. وقرأت أنّ ضابطًا مصريًا عذّب عضوًا من الإخوان المسلمين، ثم ائتمَّ به في الصلاة!... كانت لديّ هواية تجليد الكتب، أي كتابٍ يقع في يدي أجلّده وأصلحه، مرّة جلّدت كتاب "شمس المعارف الكبرى" وهو كتاب سحر، ولم أكن أحبُّ صاحب الكتاب. وروى لي صديقٌ طبيب أنّ أرملة حسناء حاولت أن تغويه فصدّها، ثم عرف وهو يصدُّها أنها مريضة، فعالجها من مرضٍ قاتل. ورأى صديق لي ديكًا يجري على دجاجات الحقل، فحسده، فنظرتُ إليه ضاحكًا، فقال إنّه حسده على الأذان، ولامني على سوء ظنّي. حبُّ العمل غير الغريزة والطبع، وقد تصطدم الغريزة بالحاجة، وقد رأينا أفلامًا للبواتٍ مفترساتٍ صادت أخشافًا، فرعتْها.

يمكث الرئيس دورة رئاسية في الحكم فيستطيبه، هو الفرد لا يعترض عليه أحد، وهو سيد الفصاحة والحكمة والحداثة والسؤدد وبطل الأمة العربية كلها، فتأتي الدورة الثانية ثم الثالثة، حتى يحنّط حيًا ويموت على كرسي متحرّك، أو في مصرفٍ صحّي مثل معمر القذافي، فهو معذور، عذرُه الهوى وحبّ المهنة، والمهنة من الهوان. لقد صار عبدًا للكرسي. لذلك أرجو أن تعذروا بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي وقيس سعيّد، الذين نزفت الأدمغة في عهودهم، فلم يبقَ ذو عقل في البلد، ومن بقي عنده عقل، تحامق حتى ينجو، والسبب عداوة الكار.