في ثمن الصراع بين أميركا وإيران

27 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

الثمن الباهظ لتصاعد الصراع بين إدارة الرئيس ترامب المنتهية ولايته والنظام في إيران لا يدفعه وحدهم، بل اللبنانيون أيضا، في ظل التفكك المتسارع لأسس الحياة الأساسية في هذا البلد منذ أكثر من سنة. وقد يكون من أبرز التجليات الأخيرة لهذا الصراع التطورات في الداخل اللبناني انسداد الأفق الكامل في عملية تشكيل الحكومة اللبنانية، ما يعني تأجيل الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي لتقديم المساعدات المالية لهذا البلد المنكوب والمنهوب، واستمرار التدهور المعيشي والمالي، ناهيك بالتبعات الثقيلة الوطأة للتفشّي الكبير لوباء كورونا الذي أدّى إلى فرض الإغلاق العام من جديد.
تضييق الخناق الأميركي على إيران وحليفها حزب الله في لبنان برز أخيرا في العقوبات التي فرضها الأميركيون على وزير الخارجية اللبناني السابق وصهر الرئيس، جبران باسيل، وما أعقب ذلك من تراشق للاتهامات بينه وبين السفيرة الأميركية في لبنان، دورثي شيّا. ترافق ذلك مع تزايد المخاوف من احتمالات وقوع حوداث أمنية على الحدود بين لبنان وإسرائيل، سيما بعد تقريرٍ نشرته صحيفة النيويورك تايمز بشأن مناقشة الرئيس الأميركي، ترامب، مع مستشاريه، احتمال شن هجوم أميركي على منشأة نووية إيرانية أو على حلفاء إيران في المنطقة. ذلك كله جعل اللبنانيين يدركون، أكثر فأكثر، أن مصيرهم ليس رهينةً فقط بين يدي المنظومة السياسية الحاكمة التي انتفض عليها الشعب اللبناني، بل أيضا رهينة ما سيؤول إليه الصراع بين إيران وإدارة ترامب.

استطاعت إيران، من خلال قوة حزب الله العسكرية وهيمنته على الحياة السياسة، إيجاد واقع سياسي جديد في لبنان وفي المنطقة

بالنسبة إلى إيران، لبنان ورقة مهمة وثمينة جداً وظفت فيه، منذ عقود، جهوداً وموارد كثيرة. واستطاعت، من خلال قوة حزب الله العسكرية وهيمنته على الحياة السياسة، إيجاد واقع سياسي جديد في لبنان وفي المنطقة، ففي السنوات الأخيرة، تحول حزب الله إلى صانع رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات ومحدّد لموازين القوى، وواضع معادلة الردع في مواجهة إسرائيل. لذا من غير الممكن أن تقدّم إيران، عبر حزب الله، أي تنازل للأميركيين في لبنان، مثلما لن تتنازل عن مكانتها في كل من سورية أو العراق.
هذه هي الحقيقة الأساسية التي تتحدّد حالياً قواعد اللعبة السياسية في البلد، وكل ما سواها تفاصيل. المشكلة الفعلية في عجز سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، على الرغم من الدعم الفرنسي، ويقال الأميركي أيضا، ليست تعنت زعيم التيار الوطني الحر، جبران باسيل، وإصراره على اختيار الوزراء المسيحيين في الحكومة، من المفترض أن تكون حكومة اختصاصيين، أسوة، بحسب ما يدّعي، بباقي الطوائف اللبنانية. المشكلة الفعلية رفض حزب الله تقديم أي تنازل في شكل تركيبة الحكومة العتيدة يمكن أن يظهر أنه قبول بشروط أميركية أو فرنسية، فالحزب الذي يعتبر نفسه المستهدف الأول بالعقوبات والتضييق على لبنان، وهو على حق في ذلك، لن يقبل اليوم بالقيام بأي تنازل سياسي، حتى اتضاح صورة معالم المرحلة المقبلة، بعد تنصيب جو بايدن رئيساً ودخوله البيت الأبيض.

في السنوات الأخيرة، تحول حزب الله إلى صانع رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات ومحدّد لموازين القوى، وواضع معادلة الردع في مواجهة إسرائيل

طوال العقود الماضية، استخدم لبنان ساحة صراع لقوى إقليمية ودولية، منذ كان ساحة للمواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين، ومن بعدها خضوعه للوصاية السورية، وتحوله ورقة مقايضة بين يدي النظام السوري، وهاهو اليوم يدخل الزمن الإيراني من بوابه العقوبات الأميركية. ويستخدم الأميركيون في لبنان أسلوب العقوبات على حزب الله، اعتقاداً منهم أن ذلك سيؤدي إلى تجفيف مصادر تمويل حزب الله وتأليب الرأي العام ضده. يذكّر هذا الأسلوب باستخدام إسرائيل أسلوب "الأرض المحروقة"، أي تدمير البنى التحتية في لبنان، لتحريض الناس ضد سلاح حزب الله، وتألبيهم عليه. بالطبع، لم يؤد ذلك إلى إضعاف حزب الله عسكرياً، بل أدى فقط إلى تدمير لبنان. اليوم يطبق الأميركيون الأسلوب عينه، ولكن بوسائل اقتصادية ودبلوماسية، وهم فقط يفاقمون في مأساة لبنان وخرابه. في الحروب العسكرية هناك قوانين تحمي المدنيين الذين يجدون أنفسهم وسط نيران القوات المتقاتلة، ولكن في الحروب الاقتصادية الشرسة مثل التي تشن على لبنان حالياً من يحمي الأبرياء من اللبنانيين الذين أصبحوا ضحايا، من جهةٍ، للمنظومة السياسية الفاسدة التي كانت سبب دمارهم المالي، ومن جهة أخرى، ضحية العقوبات الأميركية التي تدّعي محاربة المنظومة الفاسدة، فإذا بها تقضي على البقية الباقية من قدرة اللبنانيين على الصمود.

ما يجري يصبّ في مصلحة إسرائيل، التي تريد إضعاف حزب الله وإنهاكه داخلياً، لكنها لا تريد انهيار الاستقرار الهش في لبنان

غني عن القول إن ما يجري يصبّ، في الدرجة الأولى، في مصلحة إسرائيل التي من جهة تريد إضعاف حزب الله وإنهاكه داخلياً، لكنها، في الوقت نفسه، لا تريد انهيار الاستقرار الهش في لبنان، ودخوله دوامة الفوضى والعنف، لأن لذلك تداعيات على جبهتها الشمالية، وخصوصاً في هذا الوقت الذي تجري فيه مفاوضاتٌ على ترسيم الحدود البحرية هي بحاجةٍ ماسّة لها لاستكمال تنقيبها عن الغاز والنفط.
مأزق لبنان داخلي إقليمي ودولي، وثمنه يدفعه اللبنانيون يومياً. هم يعرفون أن أحداً لن يهب لمساعدتهم، طالما أن القوى المحلية المسؤولة عن هذا المأزق تعتقد أنها تستطيع أن تحارب بهم وتتحكّم بمصيرهم من دون حساب أو عقاب.