في تهافت نظرية "السلام بالقوة"

08 ديسمبر 2025
+ الخط -

مفهوم "السلام من خلال القوة" شائع في العقل الأميركي منذ نشأة الولايات المتحدة، وقد قال جورج واشنطن أمام الكونغرس عام 1793: "إذا كنا نرغب في تأمين السلام، وهو أحد أقوى أدوات ازدهارنا الصاعد، يجب أن يكون معلوماً أنّنا مستعدّون في كل الأوقات للحرب". لكنّ مفهوم "السلام بالقوة" الذي يطرحه الرئيس دونالد ترامب مختلف عن مفهوم أسلافه، بمن فيهم رونالد ريغان، الذي طرح "السلام من خلال القوة" في وجه الاتحاد السوفييتي. يخصّ ترامب منطقة الشرق الأوسط بهذا الطرح، لذا لا يتحدّث عن "سلام من خلال القوة" بل عن "سلام يُفرض بالقوة" على أطراف الصراع، خاصّة على الأطراف العربية، وأكثر تحديداً على سورية ولبنان، بمعنى: شرّفوا إلى التطبيع (مع "إسرائيل"). لقد انتهى الأمر. ووجوه هذا الاستعجال لإنهاء الصراع عديدة، أبرزها تمتين وضع الكيان الصهيوني مرّةً وحيدةً ونهائيةً (في ظنّه وخياله) إلى الأبد، عصاً غليظةً فوق رؤوس شعوب المنطقة، والسطو الأميركي ـ الإسرائيلي على ثرواتها ومقدّراتها، واستكمال المسار الإبراهيمي والتطبيعي ليشمل السعودية ودول الخليج وسورية ولبنان، وربّما العراق، وعزل إيران وإنهاء نفوذها في بعض دول المواجهة. "سلام" تجميلي للاستعمار الغربي الجديد الذي تقوده أميركا والقوى الصهيونية والأذناب الأوروبية التابعة.

لا سابقة في التاريخ عن سلام فُرض بالقوة ودام بين شعوب متصارعة

ويكتسب مشروع ترامب صفة الاستعجال، لأن الولايات المتحدة على شفير ركود اقتصادي آخر كبير إن لم تسرع إلى السطو على مزيد من ثروات العالم وإنقاذ وضعها المتهاوي، فالهجمة الوقحة على فنزويلا ونفطها وثرواتها مثلٌ ساطع.
هل يؤدّي "السلام بالقوة" فعلاً إلى السلام؟ يرى ترامب أن دعم "إسرائيل" على نحو مطلق يردع خصومها، وأنّ على الفلسطينيين أولاً أن يقبلوا تسويات تُفرَض عليهم بقوة الواقع لا بالتفاوض المتكافئ. يرتبط المفهوم الترامبي لـ"السلام بالقوة" بفكرة التطبيع، فالسلام في رأيه لا يقوم على مفاوضات طويلة، على طريقة كلينتون، ولا على الحلول العادلة، بل على إظهار "إسرائيل" قوةً غير قابلة للكسر أو للهزيمة، وإضعاف الفلسطينيين إقليمياً وسياسياً كي يصبحوا عاجزين عن الاعتراض، ومنح الدول الخليجية والعربية حوافز أمنية وتسليحية (من بيت مالهم) مقابل القبول بالكيان الصهيوني أمراً واقعاً. فالقوة بهذا المعنى أداةٌ لإيجاد بيئة ترغم الأطراف على التطبيع، وليس على التوصّل إلى سلام دائم ومتوازن، والأسلوب المُعتمَد يراوح بين الترغيب عبر صفقات أسلحة نوعية مثل طائرات إف - 35 للسعودية والإمارات، والترهيب عبر الضغوط السياسية والمالية كما في حالة السودان ورفعها من لائحة الإرهاب. ونرى يومياً (وبأمّ العين) أشكال الضغوط المتعدّدة المُمارَسة ضدّ سورية، من تدمير لكامل مقدّرات الدولة وتوغّل في الأراضي واشتباكات مُعبِّرة عمّا سيؤول إليه الصراع، كما حدث أخيراً في بيت جن.
وفي الشأن اللبناني، الضغوط لا تُحصى بسبب وجود حزب الله، فتُمارَس ضدّ البلد كلّه عقوبات قصوى مالية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية، والرسالة الأميركية الضمنية: لا مستقبل لبلدكم من دون سلام وتطبيع مع "إسرائيل" وإنهاء لمشروع المقاومة. فمن منظور ترامب الاستراتيجي: التطبيع مع السعودية هو الجائزة الكبرى، يليه تطبيع مع لبنان بعد القضاء على حزب الله والنفوذ الإيراني، بلوغاً إلى إبرام صفقة أميركية ـ سعودية ـ إسرائيلية تعيد تشكيل المنطقة، بما فيها سورية ولبنان والعراق. وإذا هزم حزب الله أو تراجعت قدراته فسوف تعتبر قوى لبنانية عديدة معادية له أن "الفرصة" سانحة لربط لبنان أكثر فأكثر بالمحور الغربي ـ الخليجي، السعودي تحديداً.
أين تكمن وجوه تهافت مشروع "السلام بالقوة" الترامبي هذا؟... أولاً، يتطلّب التطبيع قبولاً وشرعية شعبيتَيْن، ومن المُرجَّح أنهما غير متوافرين لدى الشعب السوري، وغير واردين على الإطلاق عند فئات واسعة من الشعب اللبناني، فممانعة الشعوب في أحوال كهذه عامل حاسم. أضف إلى ذلك الصعوبة الوطنية للحكام والمسؤولين في البلدَيْن، فليس أمراً سهلاً السير في وجهة معاكسة للمزاج الشعبي العام. واغتيال الرئيس أنور السادات خير دليل، كذلك عدم تطبيع الشعب المصري مع المجتمع الصهيوني برهان بالغ الدلالة، ومثله الشعب الأردني. السلام القسري غصباً عن إرادة الشعب لا ينجح ولا يدوم، والاتفاقيات الشكلية على مستوى الحكام والسلطة السياسية لا تصنع سلاماً حقيقياً ولا تنتج تطبيعاً عملياً في أرض الواقع والممارسة. ومن ثم لن يؤدّي حفل "العلاقات العامّة" الذي يقيمه ترامب في المنطقة حتماً إلى سلام وتطبيع مشتهيَيْن أميركياً وإسرائيلياً. علماً أن السلام ليس في حسابات "إسرائيل" الاستراتيجية منذ نشأة الكيان المسخ الغاصب، فعقيدتها التاريخية ليست السلام، بل فرض القواعد الجديدة من نوع المجيء بسلطات موالية لها تعقد معها اتفاقيات أمنية تصبّ في مصلحتها، مثل اتفاقية 17 أيار مع لبنان عام 1982، التي لم تعشْ طويلاً، أو محاولات نزع سلاح حزب الله وإضعافه، أو فرض ترتيبات أمنية توفّر لها حزاماً أمنياً من دون احتلال مباشر، وهذا ما يسعى إليه الكيان حالياً في سورية ولبنان من توسعة الحزام الأمني حولها في كلا البلدَين، وكفى المؤمنين شرّ القتال. هنا تفترق الطموحات الأميركية والإسرائيلية، فالرئيس الأميركي يطمح إلى إنهاء الصراع لأهداف السيطرة والاقتصاد، فيما تبحث "إسرائيل" عن أمنها فحسب، ولا تهمّها كثيراً أيُّ مشاريع سلام أو قبول بوجودها، وحتى تطبيع معها. الأمن هو عقيدة "إسرائيل" الوحيدة تاريخياً.

تطمح واشنطن إلى السيطرة والاقتصاد، وتبحث "إسرائيل" عن أمنها فحسب

رغم الاختلاف في الأهداف، يفوت على الأميركيين والإسرائيليين معاً أنّ أي اتفاقات سلام تُفرَض بالقوة وممارسة الضغوط القصوى هي عرضة للنقض والرفض الشعبيَّيْن راهناً ومستقبلاً، وأيُّ ترتيبات أمنية قسرية سوف تنهار فور زوال الضغط العسكري، فالكيان الصهيوني قد يخوض حرباً محدودة لتحسين شروطه الأمنية، لكنّه لا يستطيع استخدام الحرب لفرض تغيير سياسي جذري كالتطبيع أو تعديل النظام. والحرب مع حزب الله في لبنان لا تفتح باب التطبيع بل باب الفوضى، كذلك الأمر في سورية، حيث إن الأعمال العدوانية تستهدف الشعب والنظام الجديد معاً ولا تكسب ودّهما ولا تشجعهما على القبول بتطبيع واتفاق لإنهاء الصراع. والأكثر ترجيحاً هو أن تستمرّ حالة الاستنزاف والاعتداء الإسرائيلي المتواصل ضدّ سورية ولبنان، فالحرب الواسعة النطاق هي الأقلّ احتمالاً لأنها لا تؤتي نتيجة، ومن ثم سوف تذهب مشاريع ترامب الهمايونية والواهمة حول فرض السلام بالقوة على جميع أطراف الصراع في المنطقة أدراجَ الرياح، إذ تقوم في الأساس على نظريةٍ متهافتةٍ وتصوّرٍ غير واقعي، فلا سابقة في التاريخ عن سلام فُرض بالقوة ودام بين شعوب متصارعة. السلام والقوة مفردتان متناقضتان يستحيل جمعهما في معادلة أو نظرية واحدة.

جورج كعدي
جورج كعدي
كاتب وناقد فني وصحفي وأستاذ جامعي لبناني