في تشييع العقوبات على سورية
ترك النظام الهارب حكم سورية وهي متخمة بالمشكلات الخارجية. وقد أمضى بشّار الأسد مدة حكمه وهو يرزح تحت وابل من العقوبات الدولية المتصاعدة، بعضُها يخص الإرهاب وأخرى تخص حقوق الإنسان، ومنها ما يتعلق بالمشاركة في تجارة المخدّرات، وكانت الدول التي يناصبها العداء تكاد تغطّي ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وفترة حكمه هي الأكثر فوضى وتشتتاً في العلاقات الخارجية، رغم أنه استقبل عهده بلقاء دافئ مع وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، ولكن الرعونة التي اتصف بها جلبت على سورية الوبال وأكواماً من العقوبات الدولية. وكان التخبط السياسي عنواناً مهمّاً لكل التصرفات التي قام بها وسوّقها إعلامُه على أنها "سياسة حكيمة"، أو اصطفاف إلى جانب المقاومة المشروعة.. عندما سقط نظام الرئيس صدّام حسين، لم يكن قد مضى على بشّار الأسد في الحكم الكثير، لكن دفء اللقاء مع أولبرايت لفّه النسيان، دعم النظام مجاميع متطرّفة نشطت في العراق، ما عقَّد علاقاته مع الجار القريب، كما أطلق يد جماعته في لبنان أكثر مما فعل والده بمزيد من التدخّل الذي أفضى إلى اغتيال رفيق الحريري، وبذلك قضى على آخر خيط يصله بأوروبا، وخصوصاً فرنسا، وأطلق تحدّياً في وجه مجموعة من الدول العربية بتبعيّته لإيران.
حين انطلقت الثورة السورية في العام 2011، بدأ الأسد فصلاً جديداً من العلاقات الخارجية المتردّية، لتبدأ إيران بالتغوّل في الداخل السوري، على شكل تدخل يتجاوز القيم الوطنية والأعراف الدولية، وكان عهده على موعدٍ مع عقوباتٍ جديدةٍ قصمت ظهره وأبقته مكشوفاً، يعيش تحت رحمة حفنة قليلة من الحلفاء الذين دعموه بعد تخلّيه عن السيادة بشكل كامل. تنوّعت العقوبات على الأسد، فمن القطيعة الدولية إلى تجميد الأصول في الخارج، وعدم السماح لمؤسّساته بأي تداول بالعملات الدولية، وحظر توريد النفط وتصديره، وقيود كبيرة على كل أنواع الاستثمار، ومنع كل مسؤوليه من أي درجةٍ كانت من السفر أو امتلاك أية أرصدة في الخارج، وصولاً إلى قانون قيصر الذي شدّد العقوبات السابقة، ووسّعها لتشمل كل من يتعاون معه، الأمر الذي أوقف اقتصاده تماماً، وتُرك لينخر الركودُ عظامَه، حتى لحظة "ردع العدوان" حيث فرّ الأسد تحت جنح الظلام تاركاً وراءه بلداً غارقاً في الكوارث.
تبدو سياسة صفر مشكلات مع الخارج من العناوين الخفية في أجندة حكومة الرئيس أحمد الشرع. لم تصرح الحكومة بها، لكنها بدت متلهفة للوصول إليها. وقد عملت السياسية السورية الجديدة على تجنب المآسي السابقة، وبدأت بالجانب الإقليمي القريب، وبشكل خاص أعيد ترتيب العلاقة مع لبنان التي اتَخذَت شكل وصاية في عهد الأسدين، وتحوّلت إلى علاقة تكافؤ وتعاون. ورغم أن دولاً أخرى قد بدت متردّدة بالتقدّم نحو العهد الجديد، إلا أن الشرع سارع إلى مدّ اليد، ومن دون أية تحفّظات. ومنذ توليها السلطة، سمحت إدارته "لكشّافين" أوروبيين بالقدوم على شكل وفود سياسية وإعلامية، ما أعطى انطباعاتٍ جيدة شجّعت السفارات الأجنبية لتعاود نشاطها وترفع أعلامها وسط دمشق، انطلق بعدها الساسة السوريون في رحلاتٍ واسعةٍ في العواصم العالمية، وشاركوا في العديد من المنتديات السياسية والاقتصادية بما يكفي لتبديد أي تحفّظ حولهم، فاستعيدت العلاقات بشكل كبير.. وفي ما يخص إسرائيل، فربما بالغ الشرع في إبداء الرغبة بالعيش بسلام رغم التعدّيات الإسرائيلية المتكرّرة، وكانت هذه البادرة منه في سبيل الوصول إلى حالة "صفر مشكلات" مع الجميع. أما العلاقة الأهم بالنسبة للشرع، فجرى إنشاؤها مع الولايات المتحدة التي كانت علاقاتها مع سورية في السابق مقطوعة، وشكّل ظهور الشرع ووزير خارجيته في البيت الأبيض برفقة ترامب سبقاً يستحقّ أن يذكر، وأفضى إلى إنجازٍ قد يصلح لكتابة فصل سوري جديد، وهو إزالة قانون قيصر بشكل تام.