في تشكّل دولة إسرائيل

26 سبتمبر 2020
الصورة

تشكل إسرائيل تجربة خاصة بالنسبة إلى بناء الدولة، فهي التجربة الوحيدة التي ليس فيها دولة استعمارية أو دولة تصدّر المستوطنين إلى مستعمراتها، فقد جاء المستوطنون من عشرات الدول إلى فلسطين، في وقتٍ كانت بريطانيا تحتل فلسطين، موقع المشروع الصهيوني. بالطبع، هناك خلاف واسع بين الباحثين بشأن توصيف "دولة إسرائيل"، هل هي قومية متشكلة؟ أم هي قومية في طور التشكُّل؟ أم تفتقد إلى مقومات القومية أصلًا، لأن رابط الدين لا يشكل رابطة قومية؟ أم هي مجرّد موقع استعماري متقدّم يقدّم خدماته لراعيه وسيده الأميركي؟... إلى غير ذلك من الأسئلة التوصيفية لطبيعة الوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وما آل إليه بعد أكثر من سبعين عامًا على إعلان دولة إسرائيل، لكن هذا ليس موضوع هذه المقالة. الموضوع هو البحث عن العوامل الرئيسية التي أدت إلى قيام إسرائيل في العام 1948، بصرف النظر عن توصيفها، قومية مكتملة أم ناقصة، أم ثكنة عسكرية متقدّمة .. إلخ.

يُعيد بعضهم تأسيس دولة إسرائيل إلى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية العام 1897. وهو المؤتمر الذي أعلن تأسيس المنظمة من أجل إقامة "الدولة اليهودية" تماشيًا مع المد القومي الذي ساد أوروبا خلال القرن التاسع عشر، وكان قرن القوميات فيها. ويعيد آخرون هذا التأسيس إلى "وعد بلفور"، وهو الوعد الذي أعطاه وزير خارجية بريطانيا بلفور للورد روتشيلد في العام 1917، ووعد به بإقامة "دولة يهودية" في فلسطين.

كرّس انتهاء الحرب العالمية الثانية مشكلة أوروبية تحتاج إلى حل، وهي "المشكلة اليهودية"، وبات واضحًا لليهود الأوروبيين أنهم مهدّدون في أوروبا 

هل يمكن اعتبار أي من الحدثين، أو كليهما، الحدث المؤسس لدولة إسرائيل، والذي جعلها قابلة لأن ترى النور في المنطقة؟ هما حدثان مهمان في سياق المشروع الصهيوني وفرضه على الأرض الفلسطينية، لكنهما لا يرقيان إلى مستوى الحدث المؤسس لدولة إسرائيل. وإذا كانت نبوءة مؤسس الحركة الصهيونية وصاحب كتاب "الدولة اليهودية"، هرتزل، بعد المؤتمر الصهيوني الأول بالقول "إنه يرى إقامة الدولة اليهودية بعد خمسين عامًا"، وقد تطابقت مع قيام دولة إسرائيل في الواقع التاريخي، فإنها مجرّد مصادفة، لأن هذه النبوءة لم تقم على خطة عمل نفذتها المنظمة الصهيونية، فتحققت النبوءة. تقول الحقائق التاريخية إنه عندما عُقد المؤتمر الصهيوني الأول، لم تكن هناك أي معطيات متوفرة، لا في المنطقة ولا في العالم، يمكن أن تؤدّي إلى قيام دولة إسرائيل على الرغم من نبوءة هرتزل، لذلك كانت النبوءة مجرد حلم وليست خطة. بل على العكس، كانت المعطيات تعمل ضد فكرة "الدولة اليهودية" وضد الصهيونية أصلًا، فلم تكن التجمعات اليهودية في أوروبا، في أغلبيتها الساحقة، مؤيدة للفكرة الصهيونية، بل كانت معارضة لها بشدة، فقد كانت عوامل دمج اليهود قائمةً على قدم وساق في المجتمعات الغربية التي تقدم نفسها أوطانا قومية لكل الطيف العرقي والديني الذي يعيش فيها. وكان هناك تيار يهودي رئيسي يؤيد الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، بوصفهم مواطنين في الأماكن التي يعيشون فيها، ولهم الحقوق وعليهم الواجبات التي تقع على الجميع، فلم تكن كل الدعوات القومية عنصرية.

كان المشروع الصهيوني في فلسطين يمكن أن يفشل، مثل المشروع الاستيطاني في الجزائر أو في جنوب أفريقيا

على الرغم من خطورة "وعد بلفور" في تاريخ تأسيس دولة إسرائيل، لا يمكن اعتباره حدثًا مؤسسًا لإسرائيل، فلم نكن لنسمع بهذا الوعد الخيالي لولا التطورات التي حصلت بعد الحرب العالمية الأولى، فقد أعطت بريطانيا هذا الوعد لحاجتها إلى جهود اليهود في تلك الحرب. وكان يمكن أن يتحوّل إلى حدث أرشيفي في التاريخ البريطاني لولا المعطيات التكوينية التي أدّت إلى قيام إسرائيل بعد ذلك التاريخ. وقد تشكلت هذه المعطيات ما بين الحربين العالميتين، وخلال الحرب العالمية الثانية تحديدًا، ففي هذه المرحلة ولدت كل المعطيات الدولية والأوروبية التي جعلت من المشروع الصهيوني في فلسطين ممكنًا، وهذه المعطيات أوروبية محضة. مع صعود النازية إلى سدة الحكم في ألمانيا في ثلاثينيات القرن المنصرم، تبين وفي ظل الصعود الصاروخي للقومية العنصرية، وبشكل حاسم، أن إمكانية دمج اليهود في المجتمعات الغربية مجرّد وهم، لأن هذا النوع العدواني من القومية العنصرية (النازية) لا يقبل الآخر، أي آخر، باعتبار كل الآخرين أقل قيمة منه. وأعادت المذابح التي ارتكبتها ألمانيا الهتلرية طرح "المسألة اليهودية" بقوة، وهذه المرة ليست بأحداث متفرقة ضد تجمعات يهودية هنا وهناك، بل بسياسة إبادة شاملة ومنظمة ورسمية ومعلنة. لأن النازية هي تجلٍّ من تجليات الفكر القومي الأوروبي الحديث بأبشع صوره، فهي نتاج المخاضات الحديثة لتشكل الهوية القومية المشوّه والعدوانية. وفي المقابل، قالت لليهود الأوروبيين إن أمكانية إبادتهم قائمة، ويمكن لما جعلها ممكنة أول مرة، أن يجعلها ممكنة من جديد، ما حول "خطر الإبادة" إلى عقدة يهودية. وكان انتهاء الحرب العالمية الثانية قد كرّس مشكلة أوروبية تحتاج إلى حل، وهي "المشكلة اليهودية"، وبات واضحًا لليهود الأوروبيين أنهم مهدّدون في أوروبا وغير مرغوب فيهم. وبحكم هذه العوامل الأوروبية البحتة، بدأت قطاعات واسعة من اليهود تميل إلى تأييد "الدولة اليهودية" بوصفها "ملجأً" من الاضطهاد الأوروبي.

لم يكن نجاح المشروع الصهيوني في فلسطين حتميًا، وكان يمكن أن يفشل مثل المشروع الاستيطاني في الجزائر أو في جنوب أفريقيا. ونجاحه في تكريس نفسه في المنطقة جاء بفعل عوامل استجدّت بعد المؤتمر الصهيوني، وبعد وعد بلفور. ولكن هناك قراءات تعيد النظر في الأحداث التاريخية بناء على أحداث وقعت لاحقًا. وفي تأسيس دولة إسرائيل، هناك كثير من هذه القراءات، وهي ممكنة في هذه الحالة بحكم التعقيدات الشديدة التي شابت تاريخ القضية الفلسطينية وتأسيس دولة إسرائيل. وأعتقد أنه من دون النازية التي يمكن اعتبارها القابلة الحقيقية التي ولّدت دولة إسرائيل، ومن دون المعطيات التي وفرتها الحرب العالمية الثانية، ما كان لإسرائيل أن ترى النور في المنطقة.