في تذكّر "مُطاوع وبهية"

27 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ذريعتان تتوسّلهما هذه المقالة في تذكّرها الفيلم العراقي المصري (أو العكس) المنسي، "مُطاوع وبهية". أولاهما، أنه عن قصةٍ للراحل قبل أيام، سعيد الكفراوي، هي الوحيدة له من بين كل إنتاجه (في 12 مجموعة) ينجذب إليها مخرجٌ سينمائي، فيما قصصٌ كثيرةٌ له تتيسّر فيها أسباب غواية السينما. المخرج عراقي، وعُرض الفيلم أول مرة في العام 1982، وأنتجته مؤسسة السينما والمسرح العراقية، وتم تصويرُه في قريةٍ قرب بغداد، غير أنه فيلمٌ مصريٌّ بكل ما فيه. ولغيري أن يقول ما يقول في أسباب عدم التفات أيِّ من صنّاع السينما المصرية إلى أيٍّ من قصص صديقنا الباقي. أما الذي في وسعي فهو أن أرجّح أن انتباه المخرج العراقي، صاحب حداد (1995)، إلى قصةٍ منشورةٍ في مجلة الحوادث، في 1979، لكاتبٍ مصري يعمل في السعودية، اسمُه سعيد الكفراوي، إنما كان إلى موضوعة القصة، في ظرفٍ عربيٍّ كان السخط فيه عريضا، ومنه الرسمي، ضد الصلح الذي أقامه أنور السادات مع إسرائيل. والقصة في متن هذه القضية، وعنوانها طريف، ليس في طولِه فحسب، وإنما أيضا في التباسٍ بادٍ فيه بين متخيّلٍ وحقيقي، "حكاية الفلاح الفصيح مطاوع عبد الصبور أبو العزايم مع الرئيس المؤمن محمد أنور السادات شخصيا" (هذا اسم القصة). 
أما ثاني ذريعتي اكتراث هذه السطور بفيلم "مُطاوع وبهية"، والذي كان سنواتٍ ممنوعا من العرض في مصر، أنه صيحةٌ ضد أي علاقةٍ عربيةٍ بإسرائيل. ولا أتزيّد، هنا، في القول، إن قصته كانت صيحة سعيد الكفراوي "لا تُصالح"، وإنه صيحة السينما العربية "لا تُصالح"، بعد قصيدة أمل دنقل "مقتل كليب – الوصايا العشر"، والتي اشتهرت باسمها الذائع "لا تُصالح" بعد زيارة السادات القدس المحتلة، ثم توقيعه "كامب ديفيد" في 1978 ومعاهدة السلام في 1979، وكان دنقل قد كتبها في نوفمبر/ تشرين الثاني 1976، بعد توقيع اتفاقيات فضّ الاشتباك بين مصر وإسرائيل. ولأن اتفاقيات التحالف العربية مع العدو الإسرائيلي تتوالى، في الراهن السخيف (الإمارات وغيرها)، فإن انتشال "مُطاوع وبهية" من النسيان، يصبح مهما، بل وضروريا ربما، سيّما وأنه فيلمٌ سينمائي طيّب المستوى فنيا، وممتعٌ للمشاهدة، بأداء أبطاله كرم مطاوع وسهير المرشدي وعبد الرحمن أبو زهرة وعبد الحفيظ التطّاوي وسعد أردش. ودافعُ الضرورة حماية تلك البادرة الفنية من النسيان، وتذكّر زمنٍ كان فيه فنانون عرب يصنعون فيلما عربيا ضد سلامٍ مزعومٍ مع إسرائيل، بمشاركةٍ مصريةٍ وإخراجٍ وإنتاجٍ عربيين، وبأداء ممثلين عراقيين ومغاربة (بهجت الجبوري وإقبال نعيم ومحمد حسن الجندي و...)، فيما نحن في زمنٍ يُستقدم فيه ممثلٌ مصريٌّ، خفيف القيمة، إلى احتفالٍ ساهر في دبي مع مغنّين صهاينة.
اختار المخرج صاحب حداد، وهو مشارك في كتابة السيناريو والحوار، أن يكون للفلاح مُطاوع عبد الصبور أبو العزايم ابنٌ وحيدٌ استشهد في حرب أكتوبر، وليس له أربع بنات وأخ شهيد في تلك الحرب، كما في القصة. واختار لبهية، زوجة مُطاوع، مساحةً أعرض، وبدت شخصيةً لها ترميزها إلى إرادة الغاضبين الحانقين، المسالمين. واختار أن تكون قفلة الفيلم، عندما يجلس مُطاوع إلى الرئيس أنور السادات "ما تصالحش القتلة يا ريّس"، فيما في قفلة القصة "ما تصالحش اليهود يا ريّس". يقول مُطاوع، في الفيلم، جملتَه هذه للرئيس أنور السادات (شخصيا، بحسب القصة والفيلم) في القصر، ثم يردّدها مراتٍ ونحن نشاهد الأهرامات والنيل وميدان التحرير ونجوعا وأريافا وشمسا تغيب في الختام، فيما في القصة "سحبوا مُطاوع من قفاه كالفريسة"، بعد أن قال كلمته، وأحسّ أنه "ألقى بحمْله الثقيل في وجه العاصفة واستراح". وكان قد أرسل ثلاثة "تليغرافات" من القرية التي بلا مركز بوليس، وأشجار النخيل العالية فيها كثيرة، إلى الرئيس، يُخْطره في الأول إن لديه أسرارا مهمة، تتعلق بأمن الدولة، يريد قولها له شخصيا. يستجوبونه، ويضيّقون عليه. وبعد الثاني الذي شكا فيه من سوء المعاملة يسجنونه. ثم بعد الثالث يلتقي الرئيس السادات. وفي نحو أكثر من ساعةٍ ونصف الساعة، نجحت أشعار أحمد عز الدين التي كان بعضُها مونولوغات مُطاوع، وكذا موسيقى صلحي الوادي التصويرية، في منح الفيلم شحناتٍ عاليةً من الإيحاءات التي أرادها، سيما وأن الفيلم اعتنى بالفقر والجوع والجهل والمرض في القرية. وكانت لقطات الوجوه، سيما النسائية، في الفيلم، من عناصر جودتِه، وخفّفت من بعض الضعف فيه، غير أن الأهم الأبقى أنه يبقى صيحةً ضد كل صلحٍ مع الأعداء الإسرائيليين القتلة.