في تذكّر صرخة جبران اللبنانية

في تذكّر صرخة جبران اللبنانية

10 أكتوبر 2021
الصورة

(جبران خليل جبران)

+ الخط -

لعلّ جبران خليل جبران من المفكرين اللبنانيين الأوائل الذين أدركوا تأثير الصراع بين الشرق والغرب، بإحداث الأزمات على أرض هذا الوطن، ذي المساحة الصغيرة جغرافيًا، والبعد الوجودي العابر لحدوده الجغرافية، دورًا ونفوذًا. لم تزل صرخة جبران منذ أكثر من مائة عام تصدح صدى في فضاء لبنان الذي يغرق في أزماتٍ تقتل شعبه، لأن مسؤوليه ينقسمون في صراع لعبة المحاور، بين من يريده ممانعًا تحت المظلة الإيرانية، ومن خلفها الصين وروسيا، ومن يريده في الحضن الغربي الأميركي وعمقه العربي.

"مات أهلي" هي الصرخة التي أطلقها جبران زمن المجاعة الكبرى التي عمّت لبنان ودول الجوار في الحرب العالمية الأولى. صرخ من مهجره في أميركا، معبّرًا عن مدى حزنه البالغ، لأن أهل بلاده المقيمين قد باتوا أسرى الجوع والمرض والقهر والظلم والإذلال، كما هو حاصل اليوم، حيث الناس يموتون صامتين، دونما أي قدرة على التمرّد أو الثورة.

كتب "مات أهلي وعيونهم محدقة في السماء وأيديهم ممدودة نحو الشرق والغرب". في الشكل، يصف طريقة الموت المريعة، لكلّ من خارت قواه جوعًا ولم تعد لديه القدرة على الحركة والسير، فوقع واستسلم لقدره وللموت البطيء. وفي المضمون، نستشعر كأنّ جبران يطرح المعضلة المرافقة لتاريخ هذا البلد منذ القدم، فهل سيظل اللبناني يدفع الثمن نفسه الذي دفعه أسلافه يوم كان المسؤولون فيه يدخلونه في صراع الشرق والغرب، من دون مراعاة لطبيعة هذا البلد الديموغرافية والجغرافية، متجاهلين مبدأ الحياد الذي يُعتبر السياسة الوحيدة التي تنقذ أهله من الموت ممدودي اليدين شرقًا وغربًا؟

لعبة التموضع وأخذ البلد إلى خيار الشرق أو الغرب، جسّدها جبران في صرخته بأنها قاتلة لأهله

ليس موضوع الانقسام اللبناني بين الشرق والغرب مستجدّا على ناسه، بل هو النتيجة الطبيعية لبلد يتخطّى فيه ساكنوه مسألة الانتماء إلى الارتباط بالمرجعية. ضعف التركيبة البنيوية للشخصية القاعدية عند اللبناني يجعل منه فردًا ممزّق الهوية مشرذم الوطنية، لهذا يفقد ثقته بشريكه في الوطن، ويسعى إلى الارتباط بمرجعية خارجية، كي تجعل منه شخصًا قويًا، لا للجم الآخر، بل للاستفراد به والهيمنة عليه وفرض نموذجه النمطي للحياة على الآخر، فطالما عنصر الثقة مفقود بين مكونات هذا الوطن، طالما سيدفع الثمن أولئك الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أنهم ضحايا صراعات الدول الكبرى على أرضهم.

مسألة التفتيش عن المرجعية للارتباط والاستقواء بها على الشريك هي ما حاول جبران طرحه في صرخته، عندما بسط يديه الممدودة نحو الشرق والغرب، ففي زمن الأمير بشير الثاني، انقسم رعايا الإمارة من أعيان "المقاطعجيين" يومها، بين من يريد محاربة حملة القائد الفرنسي نابليون بونابرت على سورية عام 1801 خوفًا من تملك الإفرنج في عربستان، وفريق آخر متمثّل في المسيحيين، وتحديدًا الموارنة، الذين أيدوا الحملة بدعم مباشر من البطريرك الماروني يوسف تيان. وما ثورة 1958 التي حصلت في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون إلا دليل على عمق الانقسام بين اللبنانيين، ومحاولة إعادة تموضعه ضمن المحورين المتقاتلين، فترجم ذلك في لبنان بثورة عسكرية راح ضحيتها 250 قتيلا، بين من دعم شمعون في الانضمام لحلف بغداد بقيادة الولايات المتحدة، ومن طالب بجعل لبنان عضوًا في الناصرية السياسية التي أطلقها الرئيس جمال عبد الناصر بدعم من الاتحاد السوفييتي.

وحده اللبناني يقع ضحية الشرق والغرب، فيموت ممدود اليدين، ليطلق صرخة حقيقية

بالطبع، لعبة التموضع وأخذ البلد إلى خيار الشرق أو الغرب، جسّدها جبران في صرخته بأنها قاتلة لأهله، الناس الطيبين والبسطاء الذين كان همهم أن يعيشوا بهدوء، ويعيدوا إلى لبنان دوره الجامع بين الغرب والشرق. لهذا، ارتفعت صرخة البطريرك الماروني، بشارة الراعي، مطالبة بالحياد الإيجابي للبنان. فبالنسبة إليه، أزمات لبنان المعيشية والاقتصادية والحياتية نتيجة ذلك الصراع بين المتمحورين المتمثلين في حزب الله ومعه فريق العهد الذي لا يتوانى عن المطالبة بالانضمام إلى محور الممانعة، والفريق الآخر الذي يعتبر أن الخروج من عباءة الغرب ومقاطعة العرب يعني الموت السريري للبنان.

اليوم، أهل جبران ليسوا مسيحيين غربيين ومسلمين شرقيين، إنما هم في صراع تحديد هوية وثقافة وانتماء. صراع يأخذ لبنان إلى قعر جهنم، حيث عمق الصراع ينعكس أزمات وطوابير ذلّ على اللبنانيين، بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم. فلا الشرق قادر على كسر الطوق والحصار، ولا خطّ الغاز المدعوم من الإدارة الأميركية من مصر إلى لبنان قيد الإنجاز. ففي حالة الترقّب هذه، وحده اللبناني يقع ضحية الشرق والغرب، فيموت ممدود اليدين، ليطلق صرخة حقيقية نحو المسؤول قائلًا، لا غرب ولا شرق، بل غرب وشرق في الانفتاح والتلاقي. لهذا، يبقى خيار اللبناني الابتعاد عن لعبة التموضع، لبناء جسور الثقة، علّ هذه الجسور تعيد للهوية اللبنانية رونقها، مدركةً أن لبنان لا يستطيع أن يعيش في عزلةٍ عن محيطه العربي الذي لطالما كان حليفًا وصديقًا وداعمًا للبنان في أزماته كافة، حتى في حربه الأهلية العبثية عام 1975.