في تذكّر "أوراق عاقر"

في تذكّر "أوراق عاقر"

04 يونيو 2021
الصورة

(جميل ملاعب)

+ الخط -

أما وأن ذكرى هزيمة حزيران تعبُر في مثل هذه الأيام، فيُستدعى الكلام المعهود، عما جرى وكيف جرى، عسكريا وسياسيا، فإن من الطيّب، في الأثناء، أن لا يُتغافَلَ عما حضر في المنتوج الأدبي العربي الذي استوحى من الواقعة تمثيلاتٍ وتعبيراتٍ متنوعة، أشارت إلى ما تعدّ أسبابا ومقدّماتٍ ساقت إلى الهزيمة. ولوفرة هذا المنتوج (ثمّة السينما أيضا)، ذاع مفهوم "أدب النكسة"، وخاض فيه باحثون ونقاد، وأنجزوا دراساتٍ فيه بعضها قيّم. وذاع أيضا ما خُلع على رواياتٍ انشغلت بالحدث الفادح أنها "حزيرانية". واحدةٌ من تلك الأعمال "أوراق عاقر" (دار الاتحاد، بيروت، 1968)، للأردني الراحل، سالم النحاس (توفي في 2011)، وكانت أولى روايتيْه (صدرت "الساحات" في 1987)، وهو صاحب مجموعتين قصصيتين ومسرحية ومجموعة شعرية، كما أنه النقابي والمناضل السياسي. والمألوف أن يتمّ التذكير بها واحدةً من ثلاث روايات أردنية "حزيرانية" مبكّرة، إحداها صدرت في عام النكسة نفسه، "الكابوس" لأمين شنار، وفي العام التالي كانت "أنت منذ اليوم" لتيسير سبول.

ليس ثمة حربٌ ولا هزيمةٌ ولا جيوش ولا فلسطين ضاعت في "أوراق عاقر"، وإنما حملٌ كاذبٌ لامرأة، يحبّها زوجها الذي تنكتب الرواية سردا بلغته، بأناه. ينكشف هذا الحمْل، والذي كان منتظرا منه قدوم المولود يعرب، في يوم الاثنين، 5 يونيو/ حزيران 1967، لمّا فجأة "دوى انفجارٌ هائلٌ اهتزّت له الشقة بكاملها. المبنى الكبير ينهار؟". يروي الراوي "فجأةً، تهاوى باب غرفة الاستقبال كانهدام أحد أعمدة السماء .. واقتحمت ألسنة الشيطان الملجأ الأخير". يقول أيضا "اقتلعتُ لوحة الخلصاء والمدينة ولوحة المرأة الحامل وتقهقرت إلى الشرفة، ووقفت هناك طريدا في العراء. لم يعد أمامي إلا الهاوية، وخلفي الموت". وفي مقاطع تالية وسابقة لهذه المقتطعات عما جرى في ذلك النهار يتوالى ما يمكن حسبانه مونولوغا متوتّرا ينطق به البطل الراوي. يسأل: "من كان يصدّق أن كل هذا يحدث في أقل من ست دقائق، ستة أيام، ستة دهور، ماذا يهم حساب الزمن". وعلى ما في هذا التداعي من إيحاءاتٍ، لا تفلت من سالم النحاس مفردةٌ قد تؤشّر إلى هزيمةٍ عربيةٍ كبرى جرت في ذلك اليوم الذي انكشف فيه حمْل الزوجة المحبوبة، غير أن ناسا تحت شرفة الشرفة يتجمهرون، "ماذا؟ عاش البطل العاقر، ويلكم، أخطأت الحساب، وأخطأتم الهتاف .. عاش يعرب".

يلتبس على قارئ هذه الرواية، القليلة الصفحات، الفضاء المكاني فيها، تستشعر أنها في القاهرة ربما، وأن البطل بدويٌّ قادم من الصحراء، له ذاكرةٌ في أغوار الأردن المخصبة، ويتطلع إلى رحيلٍ إلى دمشق، كأنه قادم إلى المدينة ليفتّش عن أصحابٍ مضوا، وما عادوا في المكان، لا يعرف ما جرى لهم. يتحدّث عن محيي، صديقه الماكث قبله في الشقة التي اهتزت يوم 5 حزيران. يتواصل مع صاحب مكتبةٍ، على معرفةٍ طيبةٍ وقديمةٍ به، هو من يأتي به إلى المستشفى، ويُخطره بأن زوجته، بخير .. وعلى ما تتواتر من استدعاءاتٍ تتوالى في أوراق البطل الراوي الأربع، فإن النزوع التجريبي، الموصول بحسٍّ عبثيٍّ إلى حد ما، يجعل في هذه الرواية تلك النباهة العالية في كثافة الإيحاء فيها، ووفرة الترميزات التي ليس عصيّا انكشافها، غير أن هذا كله وغيره ينبسط في سردٍ، يتقاطع فيه الحواريّ، مع صاحب المكتبة والطبيب المعالج من العقم، مع الاستعاديّ الذي ينهض على التذكّر والحلميّ، مع الهجائي الظاهر في سخط الراوي من أحوالٍ ليست قليلةً حواليه، وهو الذي يتّصف بالعناد، والميل إلى الوضوح، عندما يُؤثر خيارا واحدا وحسب "الحق أو الباطل، الجنة أو الجحيم، الحياة أو الموت، النصر أو الهزيمة".

كأن الراوي البطل يخوض معركةً غير معلومة التفاصيل، هو الذي لا يُنجب، ولا يرتاح إلى الطبيب في دمشق. وهنا ثمّة مُضمراتٌ في النص، تروح إلى ما هو عطبٌ نفسي، أكثر منه جسديا أو خلقيا، لدى السارد الذي يحكي ويستنطق جوّانياته، ويطلق أفكارا وقناعاتٍ مرتجلة، ويستبدّ به قلق انتظار رفاقٍ أو أصدقاء غائبين، واستعادة حريةٍ فقدها. وفي هذا كله وغيره، بدت لغة النص مشحونةً بتوتر عال، ارتفعت شيئا ما بالرواية، من حيث أرادها سالم النحاس تجربةً في تجريب الحكي عن حدثٍ عربيٍّ فادحٍ بالمجازيّ والاستعاريّ، بالقناع والتورية، لا بالمباشر ولا بالواقعي ولا بالتسجيلي، كما صنعت أعمالٌ روائيةٌ وفيرةٌ في مرحلة صدور "أوراق عاقر" التي استعانت بشيء من خطابيةٍ نافرةٍ، طفيفةٍ في خواتيمها، كان في الوسع التخفّف منها .. ولكن المهم والأهم أن سالم النحاس بشّر في روايته "الحزيرانية" هاته بكاتبٍ ممتلئ الموهبة والكفاءة، ما يجعلنا لا نغفل عنها، ونحن على مبعدة 53 عاما منها.