في تأكيد المؤكّد

13 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

أصدر المجلس الإسلامي السوري (المعارض)، قبل أيام، وثيقة حدّد فيها الهوية السورية المفترضة للسوريين. تضمنت خمسة بنود: الإسلام هو دين غالبية السوريين وثقافة جميعهم، وسورية جزء من العالمين الإسلامي والعربي، واللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة، والثقافة والقيم الحضارية المعهودة معرّفات أساسية للهوية السورية. والبند الأخير ضمان حقوق المكوّنات الأخرى الموجودة في سورية.

أثارت الوثيقة نقاشاتٍ عديدة إثر إعلانها، تمحورت حول توقيتها وأهميتها، واستدعت ردوداً عنيفة من مؤيدي الوثيقة وواضعيها حملت الاتهام الدائم: "كره الأقليات والملاحدة السوريين الإسلام والمسلمين"، وهي التهمة التي توجه دائماً إلى كل من تسوّل له نفسه الدخول في أي نقاش يتعلق بالإسلام، حتى بنقاش وطنية الجماعات الراديكالية المسلحة التي فتكت بالسوريين في المناطق التي احتلتها، وحاولت تغيير هويتهم الأصلية الإسلامية الشعبية العادية (متوسطة ومتشدّدة أحياناً)، لكنها هوية تعايش معها السوريون بشكل دائم.

يقول المدافعون عن الوثيقة إنها موجهة إلى سوريي الثورة الذين انتشروا في بقاع الأرض، خصوصاً وأن هناك محاولات عديدة لطمس "الهوية السورية"، فالسؤال الأساسي الذي يمكن أن تثيره الوثيقة: ما الذي اختلف في بنودها عما كان عليه تعريف الهوية السورية قبل 2011، أي في قمة سيطرة النظام (الطائفي) على سورية، وفي قمة خضوع السوريين له؟ إذ يحوي الدستور السوري ذات التي ذكرتها الوثيقة من دون أي اختلاف، وهو ما اعترضت عليه مراراً الحركات المدنية السورية، وطالبت بتغييره في الدستور، سيما ما يتعلق بحقوق المرأة والطفل، وهي الحقوق التي تندرج ضمن بند "الثقافة والقيم الحضارية المعهودة منذ قرون هي معرفات الهوية السورية". ودائماً كان ذلك يواجَه بالرفض والتعنت الذي يحمل لواءه رجال الدين والمؤسسات الدينية السورية المتحالفة حد التماهي مع النظام السوري، فدار الإفتاء بكل مؤسساتها، والقبيسيات والمشايخ وعلماء الدين، وجميعهم يرون في وثيقة المجلس الإسلامي (المعارض) هوية لسورية، خط الدفاع المدني عن النظام الذي يشيدون بعبقرية رئيسه ورمزيته التي يجب أن تكون خطّاً أحمر، وهم من يعطون مشروعيةً لتحويل السوريين قتلة ومقتولين، عبر الدعاء "للجيش العربي السوري" في المساجد للانتصار على "الكفار الخارجين"، الذين يسميهم المجلس "السوريين الذين يتعرّضون لهجمةٍ طائفيةٍ تستهدف هويتهم الدينية". وهذا ليس سوى دليل على تشابك الوضع السوري وتناقضاته العجيبة التي أوصلت حال السوريين إلى ما هو عليه.

ولا ندري إن كان المجلس الإسلامي السوري الذي أعلن صدور وثيقته "بمناسبة اقتراب العشرية الأولى من الثورة على النظام الطائفي"، يدرك أن بنود الوثيقة هي البنود نفسها التي تعتمدها كل الدول المسلمة بطرفيها، السني والشيعي، حيث يزول الاختلاف بين المذهبين، عندما يمسّ الأمر سلطة الدين التي تكرّسها هذه البنود تماماً، ليتّضح أن الخلاف هو خلاف نفوذ مصالح سياسية واقتصادية. وحتى يما بتعلق بالشأن السوري المحض والثورة وإجرام النظام، أصبحت سردية الطائفية التي يتبادلها الطرفان ممجوجةً ومفضوحة، بعد أن انساقت مؤسسات النظام ومؤسسات المعارضة إلى أجندات دول داعمة، لا تمتّ للوطنية السورية بصلة، بينما يدفع الثمن فقراء السوريين من حياتهم وأرواح أبنائهم ولقمة عيشهم، في داخل سورية وفي المخيمات، حيث يفترض أن يكون الهدف الأول لمؤسسات المعارضة، بما فيها المجلس الإسلامي الذي يدّعي حرصه على السوريين وهويتهم، محاولة إيجاد حلول تنقذ اللاجئين في المخيمات من الذل الذي يعيشونه، وهو أمرٌ أكثر أهمية من إصدار وثائق لا تفعل شيئاً سوى تأكيد المؤكد وتكريسه، وإبقاء السوريين في جو الشحن الطائفي الذي يسير جنباً إلى جنب مع سردية النظام السوري.

عن أي عداء يتحدّث هؤلاء؟ أين المحاولات التي تريد تغيير "الهوية السورية"؟ هل يخشون أن ينسى السوريون هويتهم وهم يعيشون في دول العالم الأول، ويتمتعون بحقوقهم، أفراداً قيمتهم في ذواتهم، لا بانتمائهم لمجموع ديني أو مذهبي؟ أم أنهم استشعروا مثلاً بداية حلٍّ ما يلوح في الأفق السوري، ويريدون إثبات وجودهم وإبقاء سلطتهم عبر تكريس المكرّس؟ ثم هل يمكن الحديث عن هوية موحدة وجامعة في بلد محتل من عدة دول، ومفتّت ومنتهك ويعيش مواطنوه في الداخل (بكل مذاهبهم وقومياتهم) بأسوأ ظرف إنساني يمر على البشر؟ ما هذا الترف الذي يعيش فيه هؤلاء المتحدّثون عن الهوية السورية حالياً؟! بعض من الحياء يفيد أحياناً والله.