في بطولة "أونروا"
مقر "أونروا" في غزّة دمرته هجمات إسرائيلية (15/2/2024 فرانس برس)
كانت فدائيةً حقّاً، كما وصفناها في "العربي الجديد"، الثلاثاء الماضي، العمليةُ السرّيةُ التي أنقذت فيها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين (أونروا) ملايين الوثائق في أرشيفها، و"هرّبتها" من القدس الشرقية وغزّة إلى الأردن ومصر، في عشرة شهور، كما أنها عمليةٌ بطوليةٌ على ما يفيد العنوان أعلاه. أقلّه بموجب تفاصيل كشفتها صحيفة الغارديان أخيراً، أبانت أن للشعب الفلسطيني أصدقاء شجعاناً وأصحاب ضمائر يقظة. وهنا لا بد من تزجية أرطالٍ من التحيّات للمجهولين من موظفي "أونروا" في قطاع غزّة المنكوب، والذين ساهموا في إنجاح العملية، باحترافٍ وتكتّم. وفي البال أن جيش الاحتلال استهدف مئاتٍ من مقارّ الوكالة ومنشآتها هناك بالتدمير والتخريب، وأن 390 من منتسبيها استُشهدوا في اعتداءاته، عدا عمّن أصيبوا واعتقلوا وتعرّضوا للعَسف والتعذيب. وأرطالٌ مماثلةٌ من تحيات الإعجاب والثناء تُرفع أيضاً إلى نظراء لأولئك البواسل في القدس، وقد هدمت قوات الاحتلال مقرّاً رئيسياً للوكالة هناك، وتنوي إقامة مجمع أمنيٍّ ومتحفٍ عسكريٍّ في مكانه.
الشواهد بلا عددٍ على تمادي دولة الاحتلال في شراسة حربها على "أونروا" التي تُغالب أزمةً ماليةً طاحنة (عجز مائتي مليون دولار). وفي مقالته الأشبه بوصيةٍ، وقد خصّ "العربي الجديد" بالنسخة العربية منها، كتب المفوض السابق لـ"أونروا"، فيليب لازاريني، قبيْل نهاية ولايته في مارس/ آذار الماضي، إن الوكالة، بعد عاميْن من الهجمات العسكرية والسياسية والقانونية، وصلت إلى نقطة الانهيار. ومع تفاقم الأزمة التي اضطرّتها إلى تخفيض ساعات عياداتها الصحية من 40 ساعة إلى 32 ساعة أسبوعياً، وتقليص دوام مدارس لها إلى أربعة أيام بدلاً من خمسة، كتب أن الوكالة "من دون دعم سياسي ومالي فوري وقوي ستصل قريباً إلى نهاية قدرتها على الاستمرار". والتقدير مستحقٌّ، بما لا عدّ لأرطاله، لهذا الرجل المحترم الذي اتّخذ قرار المهمّة بالغة الاستثنائية، وساهم في إنجاحها فريقٌ عالي المهنيّة من مسؤولين وموظفين رفيعين تحت ولايته، منهم الأسترالي روجر هيرن، الذي أشرف على العملية، وقال إنها كانت ستصير كارثةً كبرى لو أن الوثائق التي جرى شحنُها إلى الخارج تدمّرت، الأمر الذي كان قد صرّح به لازاريني في مقاله، من دون أن يفصح عن العملية الباهرة، أن "أونروا" لا تفويض سياسيّاً لها، "غير أن تسجيلها للاجئين، وأرشيفها الذي يوثّق تهجيرهم التاريخي، يشكّلان جزءاً أصيلاً من حماية الحقوق الفلسطينية في إطار تحديد قضايا الوضع النهائي. ولهذا السبب، أصبح القضاء على الوكالة هدفاً معلناً للحرب في غزّة".
ولا نظنّها "الغارديان" سقطت في أي شططٍ لمّا كتبت أن وصول العملية إلى مراحلها النهائية في 14 مايو/ أيار الجاري، "يُشير إلى اكتمال أحد أخطر مسارات حماية التراث الوثائقي على المستوى الدولي". ولمّا عُلم أن "أونروا" بدأت في عملية رقمنةٍ حديثةٍ لهذا الأرشيف، وهو سجلٌّ توثيقيٌّ للاجئين الفلسطينيين، في أثناء النكبة وما بعدها، فذلك مما يفيد بأن الشعب الفلسطيني إذا كان محظوظاً في شيء، وهو يتعرّض منذ أزيد من ثمانية عقود إلى حروب المحو والتمويت والتهجير، فإنه محظوظٌ بوجود وكالة الغوث هذه التي تُعدّ سجلاتها الشاهد المشهود لذاكرة اللجوء الفلسطيني، فضلاً عن خدماتها الواسعة التي أسعفت ملايين الفلسطينيين في الضفة والقطاع والأردن ولبنان وسورية بالتعليم والتطبيب والرعاية والإعاشة والتشغيل. ولا يُغالَى في القول هنا إن حماية هذه المؤسّسة من الانهيار، ودعمها المالي والسياسي، يلزم أن يكونا من أولى أولويات العمل الوطني الفلسطيني، وفي صدارة مشاغل الدول العربية على أكثر من صعيد. ولا يليق هنا إغفال تنويهٍ واجبٍ بما أدّته السلطات الأردنية المختصّة، ومنها القوات المسلحة، في إنجاح عملية إنقاذ أراشيف "أونروا" من القدس والقطاع وتسفيرها إلى عمّان، ثم تأمينها، مع بدء عملية الرقمنة التي أفيد بأنها تجري حالياً في بلد أوروبي. والشكر في موضعه لكل جهد مصري ساعد على هذا كله.