في براءة ناصر الدويلة

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

يُغبط النائب الكويتي السابق، المحامي ناصر الدويلة (64 عاما)، على حيويته النشطة في "السوشيال ميديا"، حيث يواظب، في "تويتر" خصوصا، على إشهار مواقفه بشأن قضايا الأمة. ولعلّه يجد هذا أضعفَ الإيمان، سيما في زمنٍ لا يكلّ ناس الذباب الإلكتروني ولا يملّون في ترويج سخافاتهم. ولمّا كان هؤلاء، ومنصّاتُ إعلام الإمارات والسعودية (ومصر) يدأبون على وصف الدويلة إخوانيا كويتيا، فإنه يوضح إنه تربّى، في شبابه الأول، مع الإخوان المسلمين، ثم تركهم تنظيميا لمّا كان في العشرين عاما. والظاهر أن التغريدات المتوالية التي ينشرها الضابط السابق في الجيش الكويتي موضع متابعةٍ ومراقبةٍ من أجهزةٍ معلومةٍ في أنظمة الثورات المضادّة، المريضة بمتلازمات الإخوان المسلمين وتركيا وقطر، والناشطة في محبّة إسرائيل وترويج التحالف الوضيع معها. وهذا هو صاحبنا يهزأ من هذا كله، ويسخر من حملة الإمارات لمقاطعة البضائع التركية، ويحتقر مساندتَهم هناك الرئيس الفرنسي ماكرون، لمناهضته التطرّف، على ما يدّعون، ويزدري جهدَهم ضد ما يسمّونها حملة الإخوان لمقاطعة المنتجات الفرنسية. وفيما الرجل على هذا النشاط، تعلن محكمة التمييز في الكويت إلغاء حكميْن عليه: السجن سنةً مع الشغل والنفاذ، بتهمة شنّ حملاتٍ إعلاميةٍ على وسائل الاتصال الاجتماعي ضد السعودية، والإبقاء على تهمة إساءة استخدام الهاتف، وتغريمه بسببها ألف دينار كويتي، مع تبرئته من تهمة الإساءة إلى علاقات بلاده مع السعودية. والسجن ستة أشهر مع الشغل والنفاذ وتغريمه بألفي دينار كويتي، بتهمة الإساءة للإمارات. وجاء هذا أمس الاثنين، بعد أسبوعين من حكم المحكمة نفسها بإخلاء سبيله، إلى حين بتّها في القضية، وذلك كله بعد مسارٍ من التقاضي، استمرّ عاما، تخلّلته أفراحٌ في الإمارات والسعودية بتثبيت أحكام السجن في يوليو/ تموز الماضي، فيما أحزانٌ شاسعةٌ في البلدين استجدّت مع براءة الرجل.

مما هو جديرٌ بإنعام النظر فيه، وبتأملّه، في قضيتي ناصر الدويلة، أن وزارة خارجية الكويت هي التي رفعتهما في المحكمة، بناءً على شكويين من السفيرين، السعودي والإماراتي. واحدة بشأن المملكة تخصّ تغريدةً عن حفل للمغنية شاكيرا، ولكن ملف تحقيق النيابة اشتمل على 90 تغريدة. فيما تعلقت شكوى الإمارات بتغريدة للدويلة تنتقدها لما سمّاه تفرّج القوات الإماراتية في اليمن على منع الحراك الجنوبي المدعوم منها قافلة مساعداتٍ كويتية. وظلت الحكومة في منأىً من التنازع القضائي الذي تمت في أول حكم صدر فيه، من محكمة الجنايات، براءة ناصر الدويلة، قبل أن تستأنف النيابة العامة، وتتوالى الفصول التي تتابعت، والتي بدا في أثنائها سلوكا رفيعا من النائب السابق، وهو محام، أنه سلّم نفسه إلى السلطة المختصة لإنفاذ الحكم بالسجن، الصيف الماضي. 

ولنا، في مستوى آخر في ملف القضيتين، أن نرى في اتّباع أبوظبي والرياض صيغة الشكوى الدبلوماسية أمرا يمكن البناء عليه، من الأدعى أن تسلكه دولٌ عربية عديدة، يعتدي على شعوبها ورموزها ونخبتها مغرّدون ناشطون وإعلاميون ومسؤولون إماراتيون (وسعوديون بدرجة أقل)، بلغةٍ مسفّةٍ، ولا تتوفر على أي حياء، أو أدنى درجةٍ من الرزانة. ومن عجائب تعصى على التفسير أن تُغضِب تغريدات ناصر الدويلة أبوظبي والرياض، فيما هي لا تتوسّل سافل الكلام، ولا تتجه إلى الرموز في العاصمتين بألفاظٍ مبتذلة، كما التي يستسهلها بعضُهم في التغريد بشأن الفلسطينيين، والأردنيين إن لزم الأمر، والقطريين حدّث ولا حرج، بل والكويتيين أنفسهم غير مرة، واللبنانيين في أحيان معلومة، وأيٍّ من الشعوب العربية، عندما لا يرضى فلان الفلاني أو علان العلاني على موقفٍ هنا أو هناك. ولا يغالي واحدُنا في القول إن مغرّدين في كتائب إلكترونية، وإعلاميين على شاشات مصرية، يرون دولا وشعوبا عربيةً مستباحين لهم، من حقهم، في أي وقتٍ وأي مناسبة، أن يتجرّأوا عليهم بأي كلام، وبإسفافٍ يعفّ أي صاحب خلقٍ أن يسمعه، فضلا عن أن ينطق به.

المقام هنا هو تهنئة المثقف الكويتي النظيف، ناصر الدويلة، على براءته، وعلى رفيع سلوكه، وهو يزاول احترامَه المؤسّسية في بلده. كما التهنئة لفاعلين مدنيين، قانونيين وناشطين وإعلاميين، ناصروا مواطنهم، بوسائل متحضّرة. والتهنئة من قبل ومن بعد لدولة الكويت التي تعاملت سلطة القضاء فيها بكل ما يلزم من مقتضيات الشفافية في قضيةٍ شغلت الرأي العام. وإلى هذه التهاني الواجبة، لا بأس من الغبطة بخيبة الشاكين، وهم الأدعى أن ينظروا في قذى كثيرٍ في عيون كذّابين مفترين ركيكين بين ظهرانيهم، لا أفرحهم الله يوما.