في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية

في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية

12 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

اجتمع الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبّون، مع الطاقم الدّبلوماسي الجزائري على مستوى وزارة الخارجية وفي ممثلياته عبر العالم، لمراجعة الآليات التي يمكن أن تضبط بها الجزائر الاضطراب والتهديد في جوارها، وتوجِد، في الوقت نفسه، مكانة لها في الإقليم وفي العالم، وعلى مختلف الصُّعد. وانطلق هذا المسعى من حقائق متصلة بما تشهده المنطقة المغاربية والساحلية - الصحراوية من تغيراتٍ تحاول الجزائر التكيّف معها، لرفع تحدّي المبادرة والفعل. ولعلّ ما يقوم به وزير الخارجية، رمطان لعمامرة، مؤشّر على ذلك، بترحاله عبر عواصم القضايا التي تهمّ الجزائر وعواصم الفعل الاستراتيجي الدُّولي.

من هنا، يمكن الولوج إلى تحليل ذلك الفعل، بطرح سؤال: على ماذا يرتكز وإلى ماذا يرمي؟ في محاولة للإجابة عن ذلك، يجدر التّذكير بالتحوّل الجذري الذي أدخلته الجزائر على دبلوماسياتها الخارجية، إذ إنّها بعد فترة جمود، دامت أعواما، بسبب ظروفٍ قاهرة، قامت بتعيين مبعوثين لها لجلّ الملفات الإستراتيجية التي تُعتبر فيها الجزائر بلدا معنيا ومهتمّا، إضافة إلى ايلاء أهمّية قصوى للملّف الاقتصادي، لأوّل مرّة بهذه الدرجة، الذي تلعب فيه دور الجاذب للاستثمارات، من ناحية، والمنافح عن حصّة الأسعار ومعديها لسوق الطاقة الدُّولي (النّفط والغاز)، من ناحية أخرى، خصوصا في مرحلةٍ من هذه، حيث الحاجة لهما وارتفاع منحنى السّعر، بما يخدم المصالح الجزائرية في الاستحواذ على تأثيرٍ يُستخدم في السياسة الخارجية.

ثمّة قصور في استخدام آلية التعاون الدُّولي، بالنظر إلى جمود "الوكالة الدُّولية للتّعاون" التي تمّ إنشاؤها منذ فترة ولم تُفعّل نشاطاتها

مع هذا، لا يمكن إغفال أنّ ثمّة قصورا في استخدام آلية التعاون الدُّولي، بالنظر إلى جمود "الوكالة الدُّولية للتّعاون" التي تمّ إنشاؤها منذ فترة ولم تُفعّل نشاطاتها، ولا يبدو أنّها تتحرّك في وجهةٍ ما لتدعيم حركية الدبلوماسية، وهو قصور لعلّ ما تمّ اتّخاذه من قرار استراتيجي بإنشاء آلية المبعوثين قد يعني، في نهاية الأمر، القضاء عليه مما يبرز أنّ السياسة الخارجية، على الأقلّ، تتّخذ مسار المراجعة الدّورية للمكاسب والخسائر، لبلورة قراراتٍ تعيد توجيه الخيارات، تصحيح المسار وترفع تحدّي معرفة وجه التقصير/ القصور، وتعويضه، بسرعة، لأنّ حركية الساحة الدُّولية لا متناهية السرعة، وكلّ فتور أو جمود يعني خسارة فضاءات تأثير، والظهور بمظهر المستهدف من الفعل الاستراتيجي، وليس المبادر والمؤثّر فيه.

بالنتيجة، المنتظر هو تحوّل منحنى التأثير، وخصوصا في الجوارين المغاربي (الأزمة الليبية، الهشاشة التُّونسية، الخلافات المزمنة مع الجار المغربي، القضية الصحراوية) والساحلي – الصحراوي (فشل عملية برخان وقرار فرنسا إجلاء جزء من جيشها في مالي)، وهو ما يحاول وزير الخارجية، رمطان لعمامرة، القيام به، باستخدام أدوات متوفّرة، وأخرى يتمّ ابتكارها من خلال معرفته بالساحة الدُّولية، مع هدفين محوريين: الأوّل عاجل، يسعى إلى استرجاع الجزائر حركيّة دبلوماسية متكافئة مع مقوّماتها الكبيرة، وإن لم تكن مُستغلّة، حقّا، خير استغلال. والآخر مرحلي، بوتيرة الخطوة خطوة تتصدّر تفاصيله إقناع الآخرين بقدرة الجزائر الحقيقية على الفعل الاستراتيجي، وأنّ الوضع، بدون الجزائر، يكون أسوأ، في الساحتين. ويليه، حتما، إبعاد إدراك الغرب، وخصوصا فرنسا، أنّ الجزائر جامدة، ولا تمتلك الدور الفاعل المناقض، أساسا، للدّور الذي تريده، على وجه الخصوص، فرنسا. ولعلّ ذلك أصل التوتّر الحالي مع فرنسا، مضافا إليه، طبعا، بعض الملفّات، منها الذاكرة، إرادة التعامل النّد للنّد، إبراز أنّ ثمّة إدراكا آخر لقضايا المنطقة غير ما تريده فرنســـا والغرب، ثم، وهو ما ترفضه باريس، تماما، إمكانية استقلالية الجزائر عن الشّراكة الإلزامية معها في الدائرتين الحيويتين، المغاربية والساحلية – الصحراوية، بل أبعد من ذلك تبديد إرادة الجزائر التشكيك في مكانة فرنسا في غرب المتوسّط.

تأتي هذه التوقّعات لحركية مثلى للسياسة الخارجية الجزائرية على خلفية تهديدات كبيرة، كثير منها لا يماثل أيا من النوع الذي يهدّد ويتمدّد، فعليا، بأبعاد لم تكن معروفة من قبل، على غرار الهجرة غير الشّرعية، الإرهاب، تجارة الأسلحة، الإجرام المنظّم عابر الحدود، وكلّها تهديدات بأحجام مضاعفة، بالنّظر إلى شساعة مساحة الجزائر وحدودها التي تشترك فيها مع سبع دول، تعرف كثير منها توتّرات، لا استقرار وأزمات متعدّدة الأبعاد بانخراط فاعلين من الداخل وآخرين من الخارج، من جهة، وبانخراط فاعلين، بعضهم داخلي، وأكثرهم فوق قومي (جيوش ومرتزقة إضافة إلى تنظيمات إرهابية دولية)، من جهة أخرى.

تستلزم مواجهة تلك التهديدات حركية فاعلة وفعّالة من خلال حركية إستراتيجية، وهو ما فطنت إليه الجزائر، وتحاول أن تضع له التّخطيط المناسب، مع رصد المقوّمات البشرية الكفؤة والإمكانات الصلبة (أسلحة، تحسين كفاءة الجيش العملياتية، إلخ ..) والناعمة (تحريك آليات التأثير واستعراض القدرة على المناورة الدبلوماسية)، بقصد استعادة المكانة والعمل على أن يكون للبلاد دور في حجم تلك المقوّمات.

تحتاج الجزائر إلى فعل استراتيجي فعّال ومؤثّر، وهو ما يستلزم إرفاق ذلك، كلّه، بتوافق داخلي

هل ترضى القوى الدولية والإقليمية صاحبة الأدوار في الدائرتين المذكورتين بفاعلٍ يتنافس على جزء من تلك المكانة، ويرمي إلى فعل استراتيجي يُحسب له، أم أنّها ستعمل كل ما من شأنه عرقلة تلك العودة، بل، ربّما، وهذا احتمال قائم وواقعي، العمل على إغراقها في فواصل تلغي تلك العودة أو تؤجّلها، وتبدّد طموح الوصول إلى تلك المكانة واستخدام تلك المقوّمات، إن على المستوى الدّاخلي أو بتأزيم الأوضاع وإيجاد صراعات هامشية، لعلّها تلهي الجزائر عن مقاصدها من التخطيط لمكانة ودور لها في محيطها وعمقها الاستراتيجيين.

من يقوم بهذا كلّه، وليس هذا من باب نظرية المؤامرة، بل من اليقين الذي تدعّمه القرائن والشواهد؟ أساسا، هي فرنسا التي تريد أن تبقى صاحبة الوصاية على بلدٍ لم تقتنع بعد بأنّه نال استقلاله بعد أن دفع ضريبة لذلك دماء زهاء ما يربو عن عشرة ملايين من الشهداء من لدن المقاومة إلى شهداء ثورة التّحرير الكبرى، بل إلى اللحظة من جرّاء ضحايا الانفجارات النووية في صحراء الجزائر والألغام المزروعة على الحدود.

تقوم فرنسا بذلك، لأنّها لا تريد لغيرها دورا في غرب المتوسّط وعمقه الساحلي – الصحراوي، فهي من عرقلت بناء الاتحاد المغاربي، بجرّ بلدانه إلى اتّفاقات شراكة خاسرة مع الاتحاد الأوروبي، وهي من جرّت البلدان المغاربية إلى مبادرات 5+5 وسياسة الجوار الأوروبية، كما أنّها من شجعّت على توفير دعم للإرهاب من خلال دفع الفدى للجماعات الإرهابية لتصبح قوية، وبتسليح متطوّر، حتى تتمكّن، فيما بعد، من إيجاد توتّر مزمن في الساحل (مالي، أساسا، لأنّها خاصرة الجزائر من الجنوب)، بل أنّها حاولت جرّ جيشي الجزائر والمغرب إلى التدخُّل في الساحل. ولمّا رفض البلدان، سعت إلى إنشاء جيش ساحلي (تشاد، موريتانيا، مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وهذه جزء من قراراتٍ تمثّل التهديد الحقيقي للمغرب العربي، وللجزائر على وجه الخصوص. وفرنسا، لذلك، قلقة من سعي جزائري إلى مكانة ودور في المنطقة يقلّصان من هيمنتها المرفوضة من سلطات المنطقة ومن شعوبها، على حد سواء، ودليل ذلك ما يجري، الآن، من تجهيز لتعويض إمكانية انسحاب فرنسا من مالي بمجيء قوة من "فاغنر" الروسية، ما يشكل، لأوّل مرّة، تجاوزا لسياسات فرنسا وتجاهلا لها في المنطقة.

عرقلت فرنسا بناء الاتحاد المغاربي، بجرّ بلدانه إلى اتّفاقات شراكة خاسرة مع الاتّحاد الأوروبي

هذه حقيقة العمق الاستراتيجي للجزائر وواقع التّهديدات التي عليها مواجهتها. ولعلّ القادم أشد وقعا، بسبب اعتزام فرنسا تعميق توجهها إلى عرقلة توجه أي دولة في المنطقة، للانعتاق من ربقة هيمنتها، خصوصا أنها مقبلة على انتخابات رئاسية بدأت، من الآن، بسببها عمليات كسر العظام بين سياسييها، بمحاولة إبراز أن مكانة فرنسا مهدّدة من الداخل بفكرة الاستبدال الكبير. ومن الخارج بمكانة وأدوار لدول قد تتحالف، لتشكّل محاور، مغاربية وساحلية - صحراوية، هدفها الأساس إرباك إضافي لحسابات فرنسا الإستراتيجية، خصوصا بعد استبعادها المذلّ من منطقة المحيط الهادئ، ومحاولات تحجيم دورها في أوروبا، بصفة خاصة، (طرد سفيرها من بيلاروسيا، مثلا).

تحتاج الحزائر إلى فعل استراتيجي فعّال ومؤثّر، وهو ما يستلزم إرفاق ذلك، كلّه، بتوافق داخلي، لأنّ الانسجام الداخلي يقوّي الجبهة الوطنية، ويجعلها تفكّر، فقط، في تعزيز مكانتها ودورها لاحتواء السيل الجارف لتلك التهديدات وغيرها، مما لم نذكره، خصوصا الاقتصادية منها، الصحية والمناخية، على سبيل المثال. لذلك، لم تصبح السياسة الخارجية مجرّد تمثيل للجزائر، بل هي أداة الفعل والتأثير، يجب تعزيزها بأدوات وآليات داعمة لتعزيز المكانة، وإيجاد دور يليق ببلد كبير، مثل الجزائر.