في الصراع بين الصين وأميركا

18 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تبدو الإدارة الأميركية الجديدة، بقيادة جو بايدن، شبه حائرة، في النهج القويم لمواجهة الزحف الصيني المتنامي، فتكتيك زمن باراك أوباما حين كان بايدن نائباً للرئيس، عديم الأثر، بعدما قطعت بكين، في الأعوام القليلة الماضية، أشواطاً في سباق محتدم نحو قمرة قيادة العالم، في المقبل من العقود؛ إن لم يكن من السنوات. دفع هذا الوضع الرئيس الأميركي إلى استنهاض همم قادة تحالف الدول "الديمقراطية" بهدف مواجهة الدول غير الديمقراطية بزعامة الصين وروسيا.

لم تتعدَّ مستويات النزال بين واشنطن وبكين حدود الحرب الكلامية، ما يعني أنّ سياسة الرئيس الجديد تجاه الصين ما زالت قيد الإعداد والصياغة، بما في ذلك كيفية التعامل مع التعريفات الجمركية على السلع الصينية التي وضعها الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، فأساس الهجوم الأميركي، حتى اللحظة، مغلف في ظاهره بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان... مع شعور دفين بالخوف، يدعو إلى اليقظة برفع حدّة المواجهة، حتى "لا تأكل بكين غداءنا"، كما جاء على لسان بايدن. لكنّ الصين في زمن أوباما غير الصين التي تواجه بايدن اليوم، فحتى وقت قريب، كانت خطتها تستند إلى تلافي الاصطدام المباشر مع السياسات الأميركية والأوروبية. لذا، جنحت إلى الحرص على الطابع الجماعي في إدارة علاقاتها الدولية؛ عربياً مع جامعة الدول العربية، وأفريقياً مع منظمة الاتحاد الأفريقي، وخليجياً مع مجلس التعاون الخليجي... فيما أساس إدارة العلاقات اليوم ثنائي مع الدول، من دون أدنى اهتمام بارتباطات الدولة، وموقعها داخل المحاور والأحلاف. فقبل أيام، قام وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بجولة في الشرق الأوسط، ركزت على دول محورية في المنطقة، مرسلاً بذلك إشارة واضحة إلى واشنطن، مفادها أنّ بكين لا تنوي الاكتفاء في المستقبل بلعب دور اقتصادي وتجاري، إنّما يحدوها طموح للتحول إلى فاعل جيوسياسي وعسكري، يحظى بمكانة تليق به في موازين القوى على الصعيد الدولي. وعزّز الاشتباك الصيني مع القضية الفلسطينية أخيراً، وكذلك الجولات المتزايدة لوزير الخارجية إلى دول أفريقية وآسيوية، رجحان هذا التأويل.

استفادت بكين من استمرار التوتر داخل دول عدة في أميركا اللاتينية، فدعمت حكومات هناك مقابل تنازلات اقتصادية استثنائية، على غرار ما حدث ويحدث حالياً في فنزويلا بقيادة نيكولاس مادورو؛ فالبلد يدفع لبكين النفط لسداد ديْن منحته إياه. كما أنّ الصين أضحت أكبر شريك تجاري للبرازيل، عملاق أميركا اللاتينية، وكذلك لتشيلي؛ أكثر الدول تقدّما في المنطقة. وتعد حالياً أحد الشركاء الرئيسيين لبنك التنمية للبلدان الأميركية. وهكذا، تحولت أميركا الوسطى والجنوبية؛ الفناء الخلفي لواشنطن، في سهو وغفلة منها، إلى أكبر شركاء الصين التجاريين.

توقيع "اتفاق التعاون الاستراتيجي" بين بكين وطهران بمثابة طوق نجاة لإيران من ويلات العقوبات الأميركية

يُذكر أنّ النجاح الصيني في اختراق الحديقة الخلفية لواشنطن كلف إدارة الرئيس ترامب قرضاً أميركياً بقيمة 3 مليارات و500 مليون دولار، بسعر فائدة لا يتعدى 2.48%، من أجل تمكين الإكوادور من تسوية جميع ديونها مع الصين. كما حصل البلد، وبضمانات أميركية، على قرض بقيمة 6 مليارات و500 مليون دولار من صندوق النقد الدولي. وذلك نظير بقاء الإكوادور في "الشبكة النظيفة"، وهي اتفاقية توافق الشركات والحكومات الموقعة عليها على منع الشركات الصينية من دخول قطاعات معينة، خصوصاً في مجال تكنولوجيا "الجيل الخامس".

بين آخر ظهور للصين على الساحة العالمية، أواسط القرن الماضي، ضمن حركة عدم الانحياز، ومساعي البحث عن موقع في المشهد السياسي العالمي، تسلقت سريعاً قوائم الترتيب العالمي، حتى أضحت قوة عالمية رئيسية، تمثل أكبر الدول سكّاناً، وأكبر قوة تجارية، وثاني قوة اقتصادية، وثالث أهم قوة عسكرية، وصاحبة أكبر فائض مالي. واستطاع الاقتصاد الصيني قهر جائحة كورونا، بتحقيق نمو إيجابي السنة الماضية؛ بلغ 1%، في وقت استسلمت فيه اقتصاديات الدول الغربية لغزوة اللون الأحمر، مسجّلة تراجعات ونسباً سلبية.

يخوض التنين الصيني الرهان من أجل الريادة، من موقع المهاجم، كما يكشف عن ذلك أسلوب المواجهة، فقد تعدّى حدود استمالة الدول محل النزاع بين القوتين الكبيرتين، نحو اختراق الدول المحسوبة على الحلف الأميركي، فقد تلقى لبنان مثلاً عرضاً من الصين بتمويل مشروعات إنمائية وتنفيذها، بقيمة 12 مليار دولار، من شأنها إنقاذ البلد من الانهيار السياسي والاقتصادي، لكنّ تيرمومتر الصراع في الداخل اللبناني حال دون القبول به.

بكين لا تنوي الاكتفاء بلعب دور اقتصادي وتجاري، إنّما يحدوها طموح للتحول إلى فاعل جيوسياسي وعسكري

كما أنّ توقيع "اتفاق التعاون الاستراتيجي" بين بكين وطهران، في 27 مارس/ آذار الماضي، نتيجة مشاورات بين الطرفين، استمرت خمس سنوات، بقيمة 400 مليار دولار، بمثابة طوق نجاة لإيران من ويلات العقوبات الأميركية. بالموازاة مع ذلك اتفاقيات تعاون مع السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعُمان وتركيا، في رسالة صينية عن الإعلان عن تقويض وحدانية الولايات المتحدة القطبية التي انطلقت، بداية العقد الأخير من القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

يبقى مشروع تحالف صيني - روسي في وجه الولايات المتحدة أقوى أدوات بكين في هذه المواجهة، فمن شأن الانفتاح على روسيا؛ والمتنظر بفارغ الصبر من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، للردّ على وصف بايدن له بـ"القاتل"، أن يخلط أوراقاً كثيرة في واشنطن. ويحدث تصدّعاً في جبهة الدول الديمقراطية برعاية الرئيس الأميركي، فكثير من مصالح الأعضاء في هذا الحلف بين يديّ موسكو؛ من قبيل ملف أنبوب الغاز "نورد ستريم 2" بين روسيا وألمانيا، ما يهدّد فكرة الحلف الأميركي - الأوروبي المشترك لمواجهة الثنائي الصيني - الروسي.

كشفت جائحة كورونا أنّ التقدير الزمني المحدد في أوائل عقد الأربعينيات، لبلوغ الصين ريادة العالم، قد تقلّص بسنوات عدة؛ بعد نجاح الاقتصاد الصيني في الصمود أمام الانهيار، في وقت تراجع الاقتصاد الأميركي بما يقارب 10%، ما يعني أنّ الصين ربحت خمس سنوات من الصراع الاقتصادي. لعبة الأرقام هذه بسيطة نظرياً، لكنّها في غاية التعقيد عملياً، فانتقال مركز القيادة من واشنطن صوب بكين أكبر من مجرّد أرقام في الاقتصاد، أو أحلاف في السياسة، أو تكتيك في الجيوبوليتيك.