في الذكرى الأولى لردع العدوان

30 نوفمبر 2025

سوريون يحتفلون في جمشق بالذكرى الأولى لعملية ردع العدوان (28/11/2025 Getty)

+ الخط -

لا يشبه عنوان "ردع العدوان" عناوين الهجمات السابقة التي كانت تشنها الفصائل المعارضة على قوات النظام في السنوات الأولى من الثورة المسلحة، إذ كانت العناوين حينها مستوحاة من التاريخ الإسلامي أو من إرث مواجهات جرت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات بين مجموعات إسلامية مسلحة والقوات العسكرية (والأمنية) للنظام.

توقفت الهجمات الكبرى للمعارضة منذ عام 2020، وهدأت خطوط التماسّ وذهبت في ركود تكلّست خلاله مفاصل النظام الذي واجه انهيارات متلاحقة في اقتصاده، وتهاوت سمعته بين أنصاره، وبقي يعيش بمقويات من تمويل إيران حتى بدأت قنواتها بالجفاف هي الأخرى، فأخذ النظام يعتمد بقوة على مصانع الكبتاغون التي انتشرت على بقاع واسعة من سورية، وفي أقبية الفيلات والقصور الفخمة لأنصار السلطة والمحميين رسمياً منها. تُرك النظام في السنوات الخمس الأخيرة من عمره ليتفسخ بهدوء وبطء، وصولاً إلى لحظة "ردع العدوان" التي جاءت بصيغة دفاعية لمزيد من التعمية، ولكن فصائل المعارضة أوغلت في جغرافيا النظام، فتهاوت سلطته على المحافظات، الواحدة بعد الأخرى. سلكت قوى المعارضة بعض القرى والمدن خلال ساعات من دون اشتباكات تذكر، منها دمشق التي فرّ منها القادة الكبار، وفي مقدمتهم من كان يسمّى "الرئيس"، فلم يمضِ منتصف ليلة 7 ديسمبر/ كانون الأول حتى استقل طائرة خاصة على عجل فارّاً إلى موسكو، دخل أحمد الشرع في ظهيرة اليوم التالي دمشق، وظهر في ساحة الأمويين، معلناً انتصار قوات المعارضة والتخلص النهائي من نظام الأسد الذي حكم عقوداً.

حمل سقوط النظام السريع قيماً سياسية واقتصادية، وكان إيذاناً بدخول مرحلة جديدة تصدّرها تيار الرئيس الشرع بعد مؤتمر النصر في قصر الشعب، وحضره جميع القادة العسكريين الذين شاركوا في عملية ردع العدوان. قدّم الشرع نفسه وتياره السياسي – العسكري بطريقة جديدة ومغايرة للصورة التي ظهر عليها في إدلب، وألزم نفسه بحماية الأقليات وإفساح هامشٍ واسعٍ للحرية، وألغى إجراءاتٍ وقراراتٍ كثيرة كانت سائدة في عهد النظام الهارب، كالخدمة الإلزامية. وكان دخول قوات المعارضة المدن يتلازم مع فتح السجون، ليخرج منها كل المعتقلين السياسيين، وقد ظهر حينها مزيدٌ من القصص المأساوية المؤلمة، ما أعطى لعملية ردع العدوان قيمتها الأخلاقية، وشهد عهد ما بعد السقوط تحوّل انعطافي للسياسة السورية، فقد اختفت من الشوارع شعارات إيران العسكرية والمذهبية وألوانها، وأغلقت القوى السياسية الجديدة الباب في وجهها، وتوجّهت نحو الانفتاح على باقي الدول، وتقاربت مع أميركا والغرب، وصولاً إلى لحظة دخول الشرع البيت الأبيض، وقرارات رفع العقوبات التي كانت مفروضة على سورية، وبعضها يعود إلى عام 1979، بما يعطي الفرصة لهذا البلد بالنهوض من جديد. ووعدت حكومة الشرع باتّباع سياسة الاقتصاد المفتوح لدفع النهوض، وشهدنا أخيراً نشاطاتٍ اقتصاديةً كثيرةً في دمشق وباقي المدن.

اكتملت تقريباً الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الجديدة بعد مضيّ سنة من المهلة التي طلبها أحمد الشرع لنفسه، والمحدّدة بخمس سنوات، ورغم السرعة في البدء بإعادة بناء الدولة ووضعها على مساراتها، بما يعكس نجاحاً ملحوظاً. ولكن يبقى التهديد الجدي متمثلاً بالشروخ الواضحة على النسيج السوري، سواء في الشرق الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو جنوباً في السويداء، وكانت محافظات الساحل قد شهدت مظاهرات ترافقت مع ذكرى بدء معركة ردع العدوان. التغلب على كل الشروخ هي المهمّة الجديدة لحكومة الشرع، وهو يتبنّى حتى اللحظة سياسة الصبر ومحاولة اللجوء إلى الحوار أو الانتظار المترقب، ولكن لا تبدو هذه السياسة ذات مدى بعيد. وكما كانت عملية "ردع العدوان" مفاجئة وحاسمة، قد تكون بداية السنة موعد تحرّكات مشابهة وعاجلة تجاه الملفات التي ما زالت مفتوحة، من دون تحييد خيار التفاهم.