في الحاجة إلى الطمأنينة... في الخوف منها

13 فبراير 2026

(نبيل عناني)

+ الخط -

حين يعيش مجتمع ما حالة اهتزاز قوية تخلخل أساسات بنيانه وتفكّك استقراره، يصبح البحث عن الطمأنينة والأمان الغاية الأولى التي يبحث عنها أفراد هذا المجتمع. الطمأنينة المطلوبة هنا، مجتمعيّاً، ليست فضيلة ولا حكم قيمة ولا سؤالاً فلسفيّاً، هي تشبه منظومة إسعاف أو منظومة إنقاذ تنتشل المجتمع من حالة التشتت والضياع التي تنتج عن كارثةٍ ما، طبيعية كانت أم بشرية، هي هنا أقرب إلى أن تكون فكرة عن الاحتياج العام والمشترك إلى مجموعة بشرية تعيش في تجمّع ما، أياً كان نوع هذا التجمّع وشكله. ولأن الاحتياج في حالة الكوارث يكون عامّاً وكبيراً، فإنه يصبح بلا شروط، بلا مفاضلة، بلا انتقاء، ما يجعل الضحايا يبحثون عن منقذٍ مفترضٍ يمنحهم ما يحتاجون إليه من الشعور بالأمان النفسي والطمأنينة العقلية التي تعفيهم مؤقتاً من الأسئلة ومن الاستنتاجات، يخترعون ثوابت منقذة لهم كي يستمروا من دون خوف، الثوابت تطمئن وتعفي من أسئلة وجودية قد يراها بعضهم رفاهية أو ترفاً لا مساحة لها في حياة الضحايا.

هذا ما حدث حين انتبه البشر إلى الموت، الكارثة الأولى المتمثلة في الاختفاء، كانوا أمام لغز يشبه حفرة ضخمة تشدّ الجميع إليها من دون استثناء، لهذا جاء السؤال عنه ضخماً أيضاً وعاماً لا يستثني أحداً، ولأن اللغز لم يحل يوماً، اخترع البشر ما يمنحهم الطمأنينة التي تساعدهم على إكمال حياتهم من دون أن يكون السؤال/ اللغز ضاغطاً على الحياة ويومياتها وتفاصيلها. اخترعوا آلهة للحياة والموت، وقصوا الحكايات عن الصراع بينهما وعن انتصار آلهة الحياة، دائماً، ثم اخترعوا فكرة التوحيد، ثم الأديان السماوية، ثم الحياة في حضن الرب بعد الموت، ثم الفردوس والجنة والجحيم للعقاب والثواب، وفي كل تلك الحكايا والقصص والمرويات سوف يكون هناك حياة ثانية تأتي ما بعد الموت، حياة خالدة لا موت فيها، ستكون نعيماً إن كان البشر خيرين في حياتهم الأولى، وستكون جحيماً إن كانوا أشراراً. هكذا جاءت الأديان وقصص الخلق والفراديس والجحيم من أجل غاية واحدة فقط، إيجاد الطمأنينة اللازمة لإكمال الحياة من دون ضغط إلحاح سؤال الموت.

لكن تلك الطمأنينة نفسها سوف تتحوّل، مع الوقت، إلى استسلام يعفي من كل الأسئلة التي يحتاج البشر إلى طرحها باستمرار كي تتطوّر حياتهم، فالطمأنينة إن تمكّنت لا تترك مكاناً للقلق المحفز الذي أنتج فنوناً رائعة، جعلت حياة البشر أكثر جمالاً، وجعلت أسئلة البشر إنسانية. منحت الفنون البشر سلاماً داخلياً وهدوءاً آمنا، لا يلغي الأسئلة لكنه يجعلها أكثر لطفاً وأكثر حيوية في الآن نفسه؛ بينما طمأنينة بعض أنماط الدين غالباً ما كانت تعمل على إغلاق أي مجال مفتوح للأسئلة، وتعطي هي الإجابة السهلة لكل الأسئلة التي قد تخطر لأتباعها، ساعدت الفنون البشر على طرح الأسئلة وتفكيكها، بينما أعفت تلك الأنماط البشر من هذا الطرح. ليس الأمر هنا كما لو أن هناك صراعاً بين الفن والدين، إنما هي تلك المسافة التي تفرّق بين الطمأنينة والاستسلام، فالاستسلام قد يشبه التخدير أحياناً.

تعفي طمأنينة الاستسلام أصحابها من مساءلة من سبَّب مصائبهم: ما يحدُث هو مقدّر (هل يسأل القدر عن أسباب فعله؟)، ما يعني أن العدالة الأرضية سوف تكون مؤجلة إلى ما بعد الموت، إلى حيث الثواب والعقاب، (ماذا لو لم يكن هناك شيء بعد الموت مثلاً؟). هذا يعني أيضاً أن يستمرّ الطغاة في طغيانهم والمستبدّون في استبدادهم، هذا يعني أن يبقى الضحايا مجرّد ضحايا إلى الأبد أو يتحوّلون (مقدّر لهم هذا) إلى جلادين جدد لضحايا آخرين يمتلكون المستوى نفسه من طمأنينة الاستسلام. وبينما يسعى الفن إلى تفكيك مفاهيم الضحية والجلاد والظلم، وتقديمها بعريها الكامل الكاشف لحقيقتها، تغطّي طمأنينة الاستسلام تلك المفاهيم بغطاءٍ سميكٍ يحجب حقيقتها ويدافع عن ثباتها، بذريعة أن الشك في هذا الثبات قد يصبح معادلاً للمعصية، والمعصية كفر لأنها تولد القلق، والقلق يعيد إلى الدائرة الأولى نفسها: البحث عن الطمأنينة بوصفها المنقذ من الكارثة أو الهاوية أو السؤال اللغز.

دلالات
BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.