في الاصطدام الدبلوماسي بين المغرب وألمانيا

في الاصطدام الدبلوماسي بين المغرب وألمانيا

07 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

قررّت الدبلوماسية المغربية، مطلع شهر مارس/ آذار الجاري، فجأة وبلا مقدمات، تعليق كل أشكال الاتصال والتعاون مع سفارة ألمانيا الاتحادية في الرباط. واتّخذ القرار شكل رسالة موجهة من وزير الخارجية والتعاون إلى رئيس الحكومة وبقية الوزراء والمؤسسات التابعة لهم، تحيطهم علما بالإجراء المتّخذ، وترفض الحصول على موافقة مسبقة منها عند أي رغبة في رفع التعليق. برّرت الوثيقة الموقف الطارئ في علاقات دبلوماسية عريقة، تعود أصولها إلى أواخر القرن الثامن عشر، خلال فترة حكم الإمبراطور فريدريك الأكبر، بخلافات بشأن "قضايا أساسية" بالنسبة للمملكة، أفضت إلى "سوء تفاهم عميق" بين المغرب وألمانيا.

تضمنت رسالة وزير الخارجية مفارقات كثيرة، فقد تم تسريبها وتداولها على نطاق واسع، في الإعلام المغربي، حتى قبل عِلم الجانب الألماني بها، إلى درجة أن الاعتقاد ساد، في بادئ الأمر، بأن الوثيقة مجرّد خبر كاذب. علاوة على اعتماد اللغة الفرنسية في تحريرها، فيما رئاسة الحكومة لا تتوقف عن التذكير (منشور رقم 16/2018) بوجوب احترام مقتضيات الفصل 5 من الدستور، والالتزام باستعمال اللغة العربية، أو الأمازيغية، في المراسلات بين الإدارات ومع المواطنين. لم تتجاهل الرسالة الدستور في اللغة فقط، بل تعدّته إلى جوهر المتن الدستوري، حين خاطب وزير الخارجية بقية أعضاء الحكومة، بما في ذلك الرئيس، من دون أدنى احترام للمؤسسة التي يشتغل تحت إشرافها؛ فجاء خطابه في صيغة أوامر إلى رئاسة الحكومة، وربط أي استثناء بالحصول على إذن من وزارته!

برّرت الخارجية المغربية الموقف الطارئ مع المغرب بخلافات بشأن "قضايا أساسية" بالنسبة للمملكة، أفضت إلى "سوء تفاهم عميق" بين المغرب وألمانيا

بعيدا عن المراسلة التي تكشف عن طبيعة المناخ السياسي في المغرب، وتُظهِر مدى التقيد بالنص الدستوري، واحترام ثقافة المؤسسات ومنطقها في المغرب. نبحث في الدواعي التي يُحتمل أن تكون وراء اتخاذ الرباط إجراء شكّل سابقة في مجال الدبلوماسية، إذ لم يحدُث مثل هذا التصرف من قبل؛ حيث تعلّق دولة من طرف واحد العلاقات مع السفارة ومنظمات البلد الناشطة فوق ترابه، فيما الأعراف تقضي باستدعاء السفير أو إثارة الخلاف على مستوى وزارة الخارجية أو ما شابه ذلك.

انتشرت الفرضيات وتعدّدت التخمينات، في الأوساط الإعلامية وبين المحللين والخبراء، منذ لحظة تداول الرسالة، مستغلةً غموض متن خطاب الدبلوماسية المغربية والتباسه؛ إذ لم يكن ذا طابع حادّ، ما يجعله بمثابة تنبيهٍ عبّرت بواسطته الرباط عن استيائها من مسائل معينة. من جهتها، حرصت برلين على التريّث، بتذكيرها بالعلاقات التقليدية والطيبة، وبأن المغرب بلد جوار لأوروبا وشريك مهم لألمانيا في منطقة شمال إفريقيا، ما حدا بها إلى استدعاء السفيرة المغربية، لفهم حيثيات هذا الاصطدام الدبلوماسي المفاجئ.

تدور مجمل التأويلات، في معرض تفسير موقف الدبلوماسية المغربية وتبريره، في مدار ثلاث قراءات؛ "قضية الصحراء" أو "الإعلام الألماني" أو" الأزمة الليبية"، لكل واحدة نصيبها في سوء التفاهم العميق الذي أفاض الكأس بين البلدين.

تحولت قضية الصحراء إلى ما يشبه ترمومتر يضبط علاقات المغرب الدبلوماسية مع الدول، وازداد الأمر وضوحا بعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. لم تتردّد الخارجية الألمانية في التشكيك علانية في شرعية قرار ترامب، معتبرة أن مضمونه "يخالف الشرعية الدولية". أكثر من ذلك سارعت، في 22 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إلى المطالبة باجتماع مغلق لمجلس الأمن، بهدف مناقشة قضية الصحراء. واستفزّ مندوب ألمانيا في الأمم المتحدة، كريستوف هيوسغن، المملكة المغربية، حين أبدى تعاطفه مع جبهة بوليساريو بحديثه عن "الطرف الضعيف الذي يعيش الإحباط".

تدور مجمل التأويلات، في معرض تفسير موقف الدبلوماسية المغربية وتبريره، في مدار ثلاث قراءات؛ "قضية الصحراء" أو "الإعلام الألماني" أو" الأزمة الليبية"

واحتفل برلمان ولاية بريمن الخاضع لسيطرة الاشتراكيين والخضر، المعروفين بمساندة جبهة بوليساريو والجزائر، في 28 فبراير/ شباط المنصرم، بمناسبة الذكرى 45 لتأسيس الجبهة، حيث أقدم على رفع علم "الجمهورية الصحراوية" أمام مبناه. واعتبرت نائبة رئيس البلدية، أنتجي كروتر، هذه المناسبة، فرصة للمطالبة بـ "الحرية لآخر مستعمرة في أفريقيا". وسبق لهذه المؤسسة أن احتفت مرتين بالقيادية الصحراوية، أميناتو حيدر، بمنحها جائزة بريمن للتضامن سنة 2013، ومنحها "جائزة نوبل البديلة للسلام" سنة 2019.

تربط اجتهادات أخرى انزعاج الرباط بالهجمات المستمرّة للإعلام الألماني على المملكة، ففي 21 يوليو/ تموز الماضي، بُث شريط فيديو، ضمن برنامج في قناة إعلامية ممولة من وزارة الخارجية، بعنوان مثير عن المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف الحموشي، "حارس المملكة أم متهم بتعذيب الصحفيين؟"، الرجل القوي في المغرب. وقدّمت القناة نفسها، الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، تقريرا آخر عن الثروات السمكية في الصحراء، مع اقتراب موعد إعادة بسط الملف أمام المحكمة الأوروبية. ناهيك عما يعتبره المغرب احتضان الإعلام الألماني الجبهة الانفصالية لترويج أطروحتها، من دون توازن يستحضر وجهة النظر المغربية في هذا النزاع.

تربط اجتهادات أخرى انزعاج الرباط بالهجمات المستمرّة للإعلام الألماني على المملكة

حاول تأويل ثالث تبرير القرار، باستبعاد المغرب من مؤتمر برلين للفرقاء الليبيين، عندما وجهت ألمانيا الدعوة فيه إلى دولٍ إقليمية، بما فيها الجزائر مع استثناء المغرب. واستغربت الخارجية المغربية حينها إقصاءها من المشاركة في المؤتمر، سيما أن المملكة كانت دوما في طليعة الجهود الدولية الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية. وحين أرادت ألمانيا تدارك الخطأ، في النسخة الثانية من المؤتمر، رفض المغرب الحضور كردة فعل على إقصائه من حضور النسخة الأولى. بذلك يفقد هذا المبرّر ما يسنده، خصوصا بعدما واصل احتضان مؤتمرات أخرى للحوار بين الليبيين، فبعد مؤتمر الصخيرات جاءت بوزنيقة ثم طنجة.

ثمة تفسير في الكواليس يبدو أكثر إقناعا، ويتعلق بفرضية التجسّس، فالرسالة تركز، في إحدى حيثياتها، على المنظمات الألمانية النشيطة في المغرب. وهناك احتمال يربط ذلك بقرار مجموعة العمل المالي (FATF)؛ التي تترأسها ألمانيا حاليا، المعنية بوضع معايير لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، الصادر في 25 الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، والذي أضاف المغرب؛ بمعية السنغال وبوركينافاسو وجزر كايمان، إلى اللائحة الرمادية التي تضم دولا ينشط فيها تبييض الأموال، ما يعني زيادة المراقبة على دول القائمة التي تضم 19 دولة.

يظهر وقف المغرب التعامل مع سفارة دولة بحجم ألمانيا مدى ثقة الدبلوماسية المغربية بنفسها

مهما يكن من أمر بشأن موجبات توتر العلاقات، يبقى توقيت إثارتها من الجانب المغربي دقيقا، حيث يتزامن مع إعادة نظر المحكمة الأوروبية في اتفاقية الصيد البحري، الموقعة بين الاتحاد والمغرب، وتزايد ثقل المصالح المتبادلة بين برلين والجزائر، ما انعكس على الحياد التقليدي في قرارات ألمانيا ومواقفها بشأن ملفات شمال أفريقيا. ناهيك عن عودة الدفء إلى محور بروكسل واشنطن، بتولي الديمقراطي جو بايدن الرئاسة، ما يثير تخوّفات في الرباط بشأن احتمالية تراجع الإدارة الأميركية عن قرار اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء، أسوة بما حدث في ملفات أخرى أخيرا.

يظهر هذا السلوك ضد دولة بحجم ألمانيا مدى ثقة الدبلوماسية المغربية بنفسها، ورهانها على تكرار سيناريو الضغط بإيقاف اتفاقية التعاون القضائي مع فرنسا سنة 2014، وإلغاء مناورة الأسد الإفريقي مع الجيش الأميركي، بعد تقديم مندوبة واشنطن في مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يهدّد سيادة المغرب على صحرائه، واتبع الأسلوب نفسه مع السويد عام 2015، ولا يزال مستمرا مع كل من هولندا؛ منذ 2017، ومع إسبانيا منذ حوالي سنة، فهل يؤتي أكله مع ألمانيا بدورها؟