في استعادة حقّ السؤال

18 نوفمبر 2025

(Getty)

+ الخط -

لم يكن قرار إدارة "كوليج دو فرانس" إلغاء استضافة المؤتمر البحثي "فلسطين وأوروبا: ثقل الماضي والديناميات المعاصرة" مجرّد حدثٍ عابرٍ بقدر ما يمكن اعتباره وسيلة إيضاح، ومؤشّراً معرفيّاً على انكسارٍ في صميم المشروع المعرفي الحداثي الأوروبي نفسه، المشروع الذي ادّعى أنّه قادر على عزل المعرفة عن ضجيج السلطة. ففي السنوات الماضية، بدا أنّ "كوليج دو فرانس"، ذلك المَعلَم الذي صُمِّم تاريخياً ليكون مختبراً مفتوحاً للعقل الأوروبي، آخذٌ في التحوّل، من دون إعلان، مرآة لمرحلة من الاضطراب البنيوي العميق. والمفارقة الكبرى تكمن في أن هذه المؤسّسة العريقة التي أُنشئت في عصر النهضة، في زمن فرانسوا الأول، لم تكن يوماً مجرّد مؤسّسة تعليمية، بقدر ما كانت تجسيداً لمبدأ أن المعرفة تُصنع خارج أعين السلطة، وأن العلوم الإنسانية تستطيع (بفضل استقلالها) أن تفكّك الأدلجة بدل أن تعيد إنتاجها. لكن هذه البنية الرمزية ذاتها تبدو اليوم متصدّعة، فالمنع لا يُعبِّر عن موقف ظرفي تجاه المؤتمر بقدر ما يكشف التحوّل في الخريطة الإدراكية للمؤسّسات الأوروبية التي باتت تخشى أن تتحوّل فلسطين إلى اختبار يكشف ضعف قدرتها على الصمود في وجه ضغط سياسي متنامٍ.
لقد وصلنا إلى لحظة يصبح فيها السؤال الفلسفي نفسه مهدَّداً: هل لا يزال ممكناً للجامعة أن تحافظ على مسافة نقدية من السلطة، أم أنها بدأت تنزلق تدريجيّاً نحو النموذج الأميركي الذي دمج الأمن بالمعرفة، وحوّل الجامعة من مساحة تساؤل إلى مساحة امتثال؟ ما يجري لا يمكن فصله عن انفجار الموجة اليمينية المتطرّفة التي أعادت صياغة حدود المسموح والممنوع داخل الفضاء العمومي الغربي، فالمشهد السياسي، الذي غذّته الترامبية عالميّاً، لم يكتفِ بتشويه المعايير الأخلاقية التي تضبط إنتاج الثروة والابتكار العلمي، بل تمدّد إلى قلب الحقول الفكرية التي كانت تُعَدّ عصيّة على الترويض. لقد تحوّلت فلسطين في هذا المناخ مرآة تكشف هشاشة البنى القيمية الحديثة: فكلما ارتفع منسوب العداء لها، ازداد الانكشاف الأخلاقي للمؤسّسات التي تزعم حماية حرية التعبير.
ومع هذا الانزياح، باتت الجامعات الأوروبية تسلك المسار ذاته الذي سبق أن اختبرته الجامعات الأميركية العريقة العام الماضي، إذ يُدار الجدل الفكري بمقاييس الولاء السياسي لا بمقاييس الحقيقة العلمية، في مشهد يهدّد بإعادة تشكيل مستقبل العلوم الإنسانية برمّتها.
ومع هذا التحوّل، يجد الباحثون أنفسهم أمام مشهدٍ معرفي يتآكل من الداخل؛ فالخطر ليس آتياً من الخارج، بقدر ما هو موجودٌ داخل المؤسّسات نفسها التي أخذت الآن تُعيد ترتيب أولوياتها، وفق ميزان قوة سياسي لا معرفي، فالحقول التي أنتجت ميشيل فوكو وبيير بورديو وليفي ستروس، ووسّعت فهمنا بنى السلطة والعنف والتمثيل، تبدو اليوم محاصرة بيروقراطيّاً ورمزيّاً، كأنّها مطالَبة بالتخلّي عن أدواتها النقدية لكي تحافظ على "شرعيّتها" داخل فضاء عمومي بات أقلَّ تسامحاً مع الأسئلة التي تكشف البنية العارية للهيمنة. بهذه الوتيرة، تتحوّل الجامعة من محرّك للوعي إلى جهازٍ يضبط حدود الوعي ذاته.
عند هذه العتبة الحرجة، يصبح السؤال عمّن يملك حقّ إنتاج السردية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فحين تُغلَق أبواب هذه المؤسّسة العريقة أمام مؤتمر علمي، ويُعتقَل الطلاب من حرم جامعات أميركية كبرى بسبب آرائهم، تتكشّف حقيقة أبعد من الحدثين معاً: هناك محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي العام، عبر التحكّم في بوابات المعرفة. في مثل هذا المناخ، لا يعود الصمت خياراً بريئاً، لأن الامتناع عن إنتاج خطابٍ نقدي يترك المجال مفتوحاً لنظام معرفي جديد يقوم على الضوضاء والتشويش والتأطير الإعلامي القصير المدى. هنا بالضبط يبرز دور الباحثين والكتّاب والفنّانين، ليس بوصفهم شهوداً على التراجع، بقدر ما بإمكانهم أن يكونوا قوة مضادّة تمنع انزلاق المجال الثقافي إلى دائرة الامتثال. إن مقاومة هذا الانحدار تبدأ من استعادة حقّ السؤال، وتثبيت قدرة الحقل الثقافي على إنتاج معنى يتجاوز حدود السوق السياسي، ويعيد للعدالة مكانتها، بوصفها شرطاً لمعرفة لا تفقد بوصلة الإنسان.

سمر يزبك
سمر يزبك
سمر يزبك
كاتبة وروائية وإعلامية سورية
سمر يزبك