في استخدام المرأة السورية لإعادة إنتاج السيطرة
(إنجي أفلاطون)
لا يمكن فهم وضع المرأة في سورية اليوم بمعزل عن الخلفيات الفكرية والأيديولوجية للسلطات الحاكمة. ومهما تكن أهمية تتبّع العنف المباشر الذي تتعرّض له النساء في المجتمع، بكل أشكاله المادّية والمعنوية، وضرورة الحديث عنه وتسليط الضوء عليه، يبقى العنف الحقيقي الأكثر رسوخاً وتأثيراً هو ذلك الذي يتغلغل داخل البنى السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، ويعيد رسم وتشكيل حياة النساء اليومية بما يتماشى مع ما ترغب به بعض السلطات والشخصيات ذات النفوذ، دون أن يُعلن عن نفسه؛ وإن فعل، فَعبر إضفاء صبغة قانونية من خلال مرسوم أو تعميم أو قرار إداري.
في ظلّ الحكم الحالي، تحوّل هذا العنف البنيوي إلى جزءٍ من آلية السلطة نفسها؛ سلطة تُحكم قبضتها عبر الخوف، وتعيد إنتاج التراتبية الأبوية، وتستخدم هشاشة النساء وسيلةً للضبط والسيطرة. وهكذا، لم تعد المرأة ضحية ظرفٍ عابرٍ أو حرب طارئة، بل ضحية بنية كاملة تُصمَّم بحيث تُضعفها، وتحدّ من خياراتها، وتُخضع جسدها وحركاتها ووجودها لرقابة مستمرّة. عنفٌ يكشف الترابط بين فكرة الدولة الأمنية المزمع تعويمها، والوضع الاقتصادي المتردّي، والقوانين التمييزية التي ما زالت تعامل المرأة مواطنةً من الدرجة الثانية؛ فضلاً عن الخطب الدعائية التي تحاصر المرأة وتحاول فرض شكل وأسلوب محدَّدين عليها، سواء في لباسها أو تحرّكاتها، بما يشكّل حلقاتٍ متشابكةً تحاصر المرأة وتعيد إنتاج هشاشتها وتكريس ضعفها.
الممارسات التي تخصّ المرأة وسيلة لإعادة ضبط المجتمع، من خلال فرض معايير سلوكية وجسدية تُعيد من خلالها إنتاج السلطة الأبوية داخل مؤسّسات الدولة
يبدو واضحاً اليوم أن ما تعاني منه المرأة السورية لم يكن نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي فقط، بل ترسّخ عبر سلسلة من التراكمات التي اتخذت أشكالاً مختلفةً، من قرارات إدارية إلى حملات دعائية تجوب الشوارع وملصقات تملأ الجدران، تستهدف المرأة وحياتها وحريتها الشخصية، في محاولة لتكوين رأي عام يحابي السلطة ويشدّ على يدها ويدعمها. ولم يكن القرار أخيراً الذي صدر عن محافظة اللاذقية بمنع الموظفات في دوائر الدولة من وضع المكياج في أثناء الدوام الرسمي، مع التهديد بالمساءلة القانونية من دون أيّ سند قانوني واضح، أو القرار الصادر عن مجلس بلدية التل في ريف دمشق بضرورة ألا يكون الباعة في محالّ الألبسة النسائية رجالاً، إلا دليلاً واضحاً على تحوّل السلطة إلى جهة تتحكّم بالجسد الأنثوي: مظهره، حضوره العام، وحدود تحرّكاته، تحت مسمّيات (وذرائع) الأخلاق العامة التي تحكمها الخلفية والأيديولوجيا التي تنتهجها تلك الجهات وتستظلّ بها، وتوسيع دائرة تضييق الحريات الشخصية وفرض معايير محدّدة على السلوك والمظهر العام للمجتمع، بينما تتجاهل تلك السلطات الأزمات المعيشية والكوارث الاقتصادية التي تعيشها البلاد.
تشكّل تلك القرارات وغيرها من الممارسات التي تخصّ المرأة، التي بدأت منذ اللحظات الأولى التي أعقبت سقوط النظام في البلاد، وسيلة لإعادة ضبط المجتمع، سيّما النساء، من خلال فرض معايير سلوكية وجسدية تُعيد من خلالها إنتاج السلطة الأبوية داخل مؤسّسات الدولة، وتكرّس الخوف الذي ترافق مع وصول السلطة الحالية للحكم في سورية. حتى في أكثر المجتمعات التي عرفت تاريخياً هامشاً أوسع من الحريات الشخصية، مثل محافظات الساحل السوري، أصبحت المرأة تواجه قيوداً جديدة امتدت إلى جسدها بوصفه المجال الأكثر سهولة للضبط والخضوع، وإحياء الهيمنة الذكورية وترسيخها.
يبدو واضحاً أن السلطات في سورية لم (ولن) تتجاوز البنى الذكورية المتجذّرة في المجتمع، بل تعيد تشكيلها؛ فتتقاطع السلطة السياسية والسلطة الأبوية من خلال القرارات الإدارية المختلفة التي صدرت لتحديد مظهر النساء والسلوك "اللائق" بهن، الأمر الذي يعزّز بنية عنفية تجاه المرأة، إذ تُستخدم "الأخلاق" و"الذوق العام" أداةً للحكم ولفرض الهيمنة، ويُعاد من خلالها هندسة الحياة اليومية الخاصّة للنساء، فيتحوّل جسد المرأة "مؤسّسةً" تُدار عبر المراسيم والتعاميم والقرارات والتهديد بالعقوبات في حال المخالفة أو الاعتراض.
كثيراً ما استُخدم الجسد الأنثوي أداةً من الأطراف المتنازعة لإخضاع الطرف الآخر والضغط عليه، بالتهديد بالاعتداء والاغتصاب والقتل، وغيرها من ممارساتٍ عانت منها المرأة السورية طوال سنوات الحرب. ولن يكون تغييب المرأة عن المراكز القيادية في الدولة، وتلك القرارات المقيّدة لحياتها وحريتها، إلا امتداداً لأعراف متراكمة هدفها السيطرة على المجتمع من خلال المرأة، ليتحوّل جسدها رمزاً لحضور السلطة وتعزيزاً لقبضتها الأمنية؛ تُمارس عليه رقابتها كأيّ مجال آخر، وتعيد تشكيله بما يتوافق مع رؤيتها للنظام والأخلاق العامة التي يُعاد تعريفها هي الأخرى بالشكل الذي يرضي بعضهم، ويتماهى مع عقائدهم.
تنسجم قرارات صدرت أخيراً استهدفت النساء وسلوكهن في مؤسّسات الدولة في سورية، بما فيها تحويل الجسد ساحةً للصراع تفرض عليها السلطة مختلف أشكال الضبط والتقييد، مع ما أشار إليه ميشيل فوكو بـ"السياسة الحيوية"؛ فلا يقتصر تحكّم الدولة بالمجال العام، بل يمتدّ إلى تفاصيل الحياة اليومية من الجسد إلى السلوك والمظهر. فقرارات مثل منع المكياج للموظفات في محافظة اللاذقية وفرض سلوكيات محدّدة على الموظفات، فضلاً عن ترويج زيّ معيّن عبر حملات تجوب المدن والبلدات، ما هي إلا آلية لإنتاج السيطرة على المرأة بفرض الرقابة عليها والتحكّم بها، وهو ما أطلق عليه فوكو "تطبيع الجسد"، أي جعله خاضعاً لمعايير السلطة ورقابتها.
لا يمكن الحديث عن حرية وتحرّر في ظلّ ممارسات القمع والتضييق التي تتعرّض لها المرأة السورية
تنطوي القرارات التمييزية الخاصّة بالمرأة على وجه من أوجه العنف الذي ناضلت السوريات للتخلّص منه؛ إنه العنف الرمزي الذي تحدّث عنه بيير بورديو، حين تلجأ السلطة، أيّاً يكن شكلها، إلى استخدام القوة بشكل غير مباشر، عبر فرض معايير اجتماعية وثقافية تبدو لبعضهم طبيعيةً، إلا أنها تخفي في طياتها عنفاً ناعماً ضدّ النساء، يُعيد تدوير مخلفات الأعراف البالية التي ما زال بعضهم يعتنقها، من خلال استخدام كلمات مثل "الذوق العام" و"الانضباط" وغيرها لإخفاء الطابع القمعي والسلطوي الذكوري للقرار.
بهذا المعنى، تغدو أيّ قراراتٍ تحاول تقييد المرأة، سواء في حياتها الخاصة أو غيرها، تجسيداً للعنف الذي يُمارس عبر القوانين. تلك الممارسات كلّها التي تفضي إلى استبعاد المرأة ومحاصرتها جسدياً ما هي إلا محاولات لاستبعاد دورها ووجودها، سواء في البيت أو في المجتمع ككل. لذلك اعتبر نصر حامد أبو زيد "الهاجس الأساسي في كل أطروحات الخطاب الديني عن المرأة، وهو هاجس تغطيتها وسترها، تغطية العقل أولاً بحجبه عن آفاق المعرفة الحرة، وحجب وجودها الاجتماعي".
لا يمكن الحديث عن حرية وتحرّر في ظلّ ممارسات القمع والتضييق التي تتعرّض لها المرأة السورية، من خلال محاولات السلطات "تأميم" الجسد الأنثوي وإخضاعه لضوابط ومعايير مفصّلة على مقاس مصدر تلك القرارات. والأمر كذلك؛ لن تحلم السوريات بمستقبل أكثر عدلاً وأماناً، وربّما ستخجل كثيرات منهن من المطالبة بحقّ منح الجنسية لأطفالهن، على سبيل المثال، إذا كنّ لا يمتلكن حقّ تزيين وجوههن واختيار ملابسهن.