في اختطاف مادورو وموارد فنزويلا أو نيوليبرالية أميركا
ذُهل العالم من سرعة العملية التي أدّت الى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو، بل من سهولتها النسبية، بعد أشهر من الإنذارات والإعذارات الأميركية لرئيس شرعي ولبلد ذي سيادة، ما يعزّز الفرضية التي سبق لصاحب المقالة تقديمها، في مقالة سابقة، في "العربي الجديد"، عن نيوليبرالية أميركا وشخصيّة ترامب المحوريّة فيها، وهي أنّ أميركا ليست في عهدة رئيس لأربعة أعوام، بل في عهدة رئيس يؤسّس لمنظومة أميركية بقصد بناء هيمنة عالميّة أو تشكيل نظام دولي بأحد احتمالين: إما أميركا المهيمنة الوحيدة فيه أو ضمن الثلاثة الذين سيكون لهم مهمّة قيادة الحقبة المقبلة في العلاقات الدُّولية رفقة روسيا والصين.
من البديهي، بعد المؤتمر الصحافي لترامب، في أعقاب العملية، الحديث عن محورية الموارد في إطاحة نظام الرئيس مادورو، باعتبار أنّ الصين، برمزية أن أحد دبلوماسييها آخر من قابل مادورو، هي المستفيدة، من قبل، من نفط فنزويللا بأسعار زهيدة، وإنْ بكمّيات تعدّ، في حجمها، صغيرة جدّاً، وذلك في سبيل قطع الطريق عليها للوصول الى منطقة نفوذ أميركا التّقليدية المنصوص عليها في وثيقة العقيدة الاستراتيجيّة لترامب (صدرت قبل نحو شهر وأقرّت بمبدأ حصرية النُّفوذ الأميركي في فضاء أميركا اللاتينية، وفق مبدأ مونرو الشهير)، إضافة الى إقرار أميركا مبدأ استراتيجيّاً قد يعزّز التوافق الضمني مع شريكيه الآخرين في قيادة النظام الدُّولي، روسيا والصين، بأنّ ثمّة جواراً جغرافياً يجب اقتسامه أو إقرار قُدسية حدوده، وتجريم المساس بشبر منه ليصبح من حقّ روسيا الاحتفاظ بجوارها الجغرافي (أوكرانيا، منطقة البلطيق وربّما وصولاً إلى بولونيا)، ومن حق الصين، ربّما، تسهيل ضمها لتايوان أو إطلاق يدها في بحر الصين ولأميركا القارّة الأميركيّة، شمالها وجنوبها، من دون منازع.
هذه هي النقطة الأولى التي يكاد المحلّلون يجمعون عليها، ولم تكن تحتاج إلى ذكاء لاستنتاجها حيث عبّر عنها ترامب بوضوح، ويُضاف إليها بعض من النقاط التي تجعل من عمليّة كاراكاس مجرّد بروفا لاستعراض أكبر لن تكون أميركا، وحدها، بطلة فيلمه بل لكبار العالم، روسيا والصين، أيضا، معها، في رأي يرجّح وجود توافق ضمني قد يؤشّر عليه ما رشح، في الإعلام الأميركي، من إطلاق يد مستشار ترامب ومبعوثه، ستيف ويتكوف، في موسكو، بقصد الوصول الى اتفاق لإنهاء صراع أوكرانيا ولكن بقطع شطرنج تمّ الترتيب لحركتها بإحكام، كما سيأتي.
النقطة الأخرى المثيرة للانتباه أنّ نيوليبرالية تاجر العقارات لم تعد خافية على أحد حيث يرى في كلّ خلاف مع أميركا فرصة لصفقة يعقدها من دون رضا الطرف الآخر، ويسمّي ذلك سلاما يبرزه، حيناً، في 17 نقطة لإنهاء صراع فلسطين، وأحيانا أخرى، في زهاء 20 نقطة، لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بل وصفقات أخرى قال عنها، هو نفسه، إنّها كلُّها سعي إلى السلام كان يستحقُّ عليها جائزة نوبل للسّلام التي نالتها، للمفارقة، معارضة فنزويلية يعارض، الآن، تولّيها السُّلطة في بلادها بحجّة أنّها لا تليق لإدارة شؤون فنزويلا وغيرها من قضايا العالم كثيرة ممّا جرى تفويضه لحليفه، الكيان الصُّهيوني، في ايران، لينان، سورية، ولطرف آخر في السودان وفي جنوب اليمن.
نتحدّث عن نيوليبرالية ترامب لأنّه، في تلك القضايا التي ينهي بها الصراعات، لا يحسب إلّا حساب السوق، تقلبّاته وتداعيات ذلك على وزن الأطراف المناوئة له في النظام الدُّولي، روسيا وخصوصاً الصين، وهو التفسير الذي وصل إليه المنظّرون، في آخر أعمالهم، من أنّ القيم والمُثُل التي كان الغرب يصدّرها إلى العالم أخلاقيّات، والسُّوق أحد متغيّراتها، أضحت لا تمثّل إلّا تقلُّبات السُّوق، قيمة الدولار والسعي إلى الاستحواذ على الأتربة النادرة، موارد الطاقة ومراقبة تحرُّكات سوق الأسهم (وعوائدها للمساهمين) للشركات الأميركية الكبرى، بما يعزّز قوة أميركا ويضعها في الرواق الأفضل في سباقاتها مع شريكيها في المنتظم الدولي.
نيوليبرالية تاجر العقارات ترامب لم تصبح خافية على أحد حيث يرى في كلّ خلاف مع أميركا فرصة لصفقة يعقدها من دون رضا الطرف الآخر
قد يؤشّر التفسير الثالث لما جرى في فنزويلا إلى إعلاء شأن قُدسية الجوار الجغرافي للقوى المهيمنة على النظام الدُّولي الذي كانت روسيا أول من رفعته شعاراً لعقيدتها العسكرية- الاستراتيجية باعتباره خطّاً أحمر بخريطة تمتدُّ من أوكرانيا الى بلدان البلطيق وقد تشمل حتى بولونيا ثم، بسبب القرب السياسي بين شخصيتين متشابهتين، بوتين وترامب، تبنّي أميركا لتلك العقيدة، وجرى الإعلان عنها في وثيقة الأمن القومي المنشورة أخيراً، والتي أضحت أميركا اللاتينية، إحياء لمبدأ مونرو، منطقة نفوذ حصرية لأميركا، في حين أنّ حركيّة الصين في بحر الصين رغم اعتراضات الفيليبين واليابان بل وأستراليا، أيضا، إضافة الى مناوراتها بالقرب من تايوان، يؤشّر ذلك كله إلى توافق ضمني لعظماء العالم على أنّ ذلك الجوار الجغرافي مقدّس، وأنّه اتفاق سلام بينها لرسم معالم التنافسية وإبقائها ضمن تلك الحدود، وهو ما دفع أميركا إلى المسارعة بترجمة مبدأ مونرو بعمليّة كاراكاس التي قد تمتدُّ إلى كولومبيا وكوبا، مع ترك المجال مفتوحاً لروسيا لإنهاء حرب أوكرانيا ضمن نقاط اتفاقٍ يقوم ويتكوف بالتفاوض بشأنها مع المقرّبين من بوتين، على أن يبقى للصّين مجال حيويٌّ للحفاظ على هامش تحرّك كبير في بحر الصين، ولم لا ضمّ تايوان بموافقة روسية أميركيّة، وبمقاربة تشبه عملية توحيد الألمانيتين عقب سقوط جدار برلين نهاية العقد التاسع من الألفيّة الماضية.
رابع التفسيرات قدّمته مقالة سابقة للكاتب، نهاية العام 2025، في "العربي الجديد"، عن إرادة العظماء تضييق هامش حركية العلاقات الدُّولية وحصرها في إدارة الفوضى بمعطياتها، بما يخدم مصالحهم دون غيرهم، وبما أنّ المعركة المقبلة اقتصادية، بامتياز، فانّ ما سنراه هو اقتسام العالم وجغرافيا الموارد الاستراتيجية والنادرة، على شاكلة ما جرى في القرن التاسع عشر بين القوى العظمى، عندما رسموا خريطة العالم وفق الحاجة للموارد، ومعها الأيدي العاملة ذات التنافسية والربحية، ثنائية حيوية للرأسمالية في زمن النيوليبرالية.
وبما أنّ ثمّة حركيّة حصريّة لثلاثي هرميّة النظام الدُّولي، أميركا ومعها شريكاها روسيا والصين، فانّ ثمّة حاجة للحديث عن الخاسرين، من ناحية ولعبة الوكالة- التفويض لإدارة شؤون بعض الأقاليم على غرار الشرّق الأوسط، من ناحية أخرى.
من أوائل الخاسرين، حتما، في هذه اللُّعبة الجديدة ذات الخلفيّة الاقتصادية الحصرية، الاتحاد الأوروبي الذي قد ينفرط عقدة، نهائيّاً، وبخاصّة أنّ اللحظة تترافق مع شبه إفلاس دراماتيكي لأقوى اقتصاديات الاتحاد، ويتعلق الأمر بألمانيا وخسارة القوّة الأخرى، فرنسا، لمكانتها الدُّولية، ما يعزّز أنّ الخطوة المقبلة تجسيد ترامب أحد تعهداته، في ولايته الأولى، بالخروج من حلف الناتو. ولهذا كثُر الحديث، في الاتحاد الأوروبي، عن منظومة دفاع مستقلّة عن مظلّة الحلف، وقد يكون ذلك، أي انفراط عقد الناتو، بتجسيد آخر لترامب. ويتعلّق الأمر، هنا، بغرينلاند، وتأكيد أميركا الحاجة إلى تغيير وضعها، لتصبح قاعدة عسكريّة أميركيّة، بالرغم من معارضة الدنمارك التي تدير، سياديا، غرينلاند.
أميركا ليست في عهدة رئيس لأربعة أعوام، بل في عهدة رئيس يؤسّس لمنظومة أميركية بقصد بناء هيمنة عالميّة
هناك فاعلون آخرون يُعدُّون من الخاسرين، وهم المالكون الموارد، حيث جرى رسم خريطة عالمية لموارد العالم، في وسائل إعلام أميركية، خصوصاً الطاقوية، وكأن السؤال دعوة إلى رسم جغرافيا الموارد وحصر السباق، بل ربح ذلك السباق بالحصول على تلك الموارد، لأنها ستحسم معركة التنافسية الاقتصادية، خصوصاً بين الصين وأميركا، في المستقبل المنظور.
أمّا الشرق الأوسط، في هذا الإطار، فهو في قلب لعبة وكالة- تفويض، حيث نتابع استقواء الكيان الصُّهيوني بأميركا لإطلاق يديها في أكثر من فضاء جغرافي، بدءاً بـ"أرض الصُّومال"، تشجيعاً لنزعة الانفصال في القرن الأفريقي، ثمّ بإطلاق يدها بالوجود العسكري في سورية، في البحر الأحمر بأكثر من شكل، وصولاً إلى نزع سلاح المقاومة في لبنان (حزب الله) وفلسطين (المقاومة الفلسطينية)، إضافة إلى احتمال النجاح، بمساعدة أميركية في تعطيل المرور إلى المرحلة الثانية من الاتفاق الذي أنهى توحُّش الكيان في غزّةّ، بتهجير ساكنة غزّة والضفّة الغربية، وانتهاء بتوكيل إنهاء ملف إيران الكيان بمساعدة "الناتو" الذي أضحى يغطّي تلك الوكالة بضمّ الكيان إلى الحلف، في إطار التغطية العسكريّة للإقليم الشرق أوسطي.
تلك هي الدروس التي نرى أنها بارزة في عملية اختطاف مادورو وموارد بلاده فنزويلا، وكما قال أحد زعماء الاتحاد الأوروبي، تعليقاً على ما جرى، نحن أمام عالمٍ جديدٍ بكل ما تعنيه العبارة من معنى، أي كل ما ذكرناه وربما أشياء أخرى قد تحدث في سياق ما سيجري إذا ازدادت وتيرة تجسيد نيوليبرالية أميركا، على المديين، المنظور والمتوسّط.