في إعادة تعريف الصراع مع الصهيونية
يقف الفلسطينيون اليوم أمام محطة رئيسية أخرى من محطات صراعهم مع الاحتلال الصهيوني لبلادهم المستمر منذ 77 عاماً، بعد وقف إطلاق النار في الحرب الإسرائيلية التي تواصلت عامين على قطاع غزة. انتهت معركة جديدة طويلة لصالح العدو الغاصب، لكن الحق الوطني الفلسطيني باقٍ لا يزول، ومرهون بمساعي الأجيال المقبلة ونضالها.
يمكننا القول اليوم إن حركة حماس قدمت نفسها على مذبح المشروع الوطني الفلسطيني، ولم تقف مكتوفة الأيدي مكتفية بالحفاظ على بقاء الحركة واستمرار زعامة قياداتها، كما فعلت خلال العقود الفائتة حركات فلسطينية أخرى؛ وازنت بين مطالبها الوطنية ومصالحها الفصائلية وطموحات قادتها في المواقع السياسية والأضواء الإعلامية. فبعد 36 عاماً من انطلاقتها في عام 1987، انخرطت "حماس" في معركة كبرى في 7 أكتوبر (2023)، هي التي تكاد تنتهي اليوم إلى تقويض وجود الحركة التاريخي، وتطوي صفحة نفوذها على المشهد الوطني الفلسطيني.
وإذا كانت "حماس" محمودة في مساعيها الوطنية التحرّرية التي قدّمت المصلحة الوطنية على الفصائلية، فهذا لا يجوز أن يمنعنا من نقد تاريخها النضالي ومراجعته واستخلاص العبر منه، من أجل مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني. ولعل أبرز ما فعلته "حماس" في القضية الفلسطينية أنها أسبغت عليها تعريفاً دينياً، فبات صراع الفلسطينيين مع الحركة الصهيونية صراعاً بين مسلمين ويهود، يركنون فيه لوعود الكتب المقدسة، أو بالأصح لتفسيرات كل طرف لما في الكتب المقدّسة من آيات ونصوص، فضلاً عن الإسقاطات التاريخية على أحداثٍ يفترض أنها وقعت في التاريخ لـ"بني إسرائيل" الذين لا نعرف مدى علاقة يهود أوروبا الذين أسّسوا الحركة الصهيونية بهم.
بتبنّيها الرواية الدينية وإغفالها الفكرة الوطينة القومية، دعمت حماس، من حيث لا تقصد، الرواية الصهيونية المتمحورة حول العودة إلى أرض الميعاد
واستتباعاً لإضفاء تعريف ديني على الصراع الفلسطيني مع حركة الاحتلال الصهيوني التي ادّعت انتسابها لبني إسرائيل، وسمّت دولتها باسمه، عوضاً عن أن يكون صراعاً بين حركة أوروبية استعمارية مع شعب عربي يدافع عن أرضه، بات النضال الوطني الفلسطيني مرهوناً للافتراضات الماورائية التي هي، في كل الأحوال، تفسير غيبي غير مقطوع به للنصوص الدينية، مثل انتظار النصر الإلهي والعون الغيبي رغم ضعف الإمكانات القتالية. ولا ريب أن "حماس" حين أقدمت على إطلاق "طوفان الأقصى" في "7 أكتوبر"، رغم علمها بالفرق الشاسع في الإمكانات القتالية مع دولة الاحتلال المدعومة من أعتى قوة حربية في التاريخ (الولايات المتحدة) إنما كانت تنشد الفكرة الدينية حول الدعم الإلهي. علينا اليوم أن نعيد التفكير بتفسيرنا النصوص الدينية، وباستعمالاتها السياسية الخاطئة.
ليس هذا وحسب، بل احتكم المشروع الوطني الفلسطيني أيضاً للنظريات الخرافية المتزينة برداء ديني، مثل خرافة "زوال إسرائيل في عام 2022"، وذلك طبيعي ما دام الصراع حاز تعريفاً دينياً أخذه بعيداً عن حقيقته صراعاً بين محتلين أوروبيين وشعب عربي يدافع عن وطنه.
والحال أن علينا اليوم استعادة تعريف القضية الفلسطينية قضية وطنية قومية، لا دينية، فالتعريف الديني للصراع يخدم الرواية الصهيونية أكثر مما يخدم الرواية الفلسطينية، فهو ببساطة يمنح فكرة "أرض الميعاد" الصهيونية شرعية وصدقية، لأنه يسلّم من حيث المبدأ أن هؤلاء القادمين من أصقاع الأرض لاحتلال بلادنا هم فعلاً سلالة بني إسرائيل المذكورين في التاريخ، وأنهم فعلاً أحفاد العبرانيين الذين خرجوا مع موسى، مع أنهم ليسوا كذلك، ولا علاقة لهم بمنطقتنا وبلادنا وتاريخنا، بل هم ألصقوا أنفسهم ببني إسرائيل لمجرد اعتناقهم الديانة اليهودية في ظروف تاريخية تخصهم. وهكذا يصير مقبولاً أن يدّعوا بالوعد الإلهي لأجدادهم الذين ليسوا أجدادهم. نحن الذين نمنحهم هذا الحق باعترافنا أنهم "بنو إسرائيل" المذكورون في القرآن، وأن الله وعدنا بالانتصار عليهم، مع أن الأولى رفض روايتهم وتعرية ادّعاءاتهم بالانتساب لبني إسرائيل، وإظهارهم في صورتهم الحقيقية بوصفهم حركة احتلال أجنبية غريبة.
ليس عيباً أن نفكر موضوعياً في مصلحة المشروع التحرري الفلسطيني ومستقبله
صحيح أن حركة حماس فعلت غاية جهدها من أجل مشروع التحرّر الوطني، واستعملت الرواية الدينية التي تؤمن بها من أجل حشد الفلسطينيين وراء حقهم الوطني، لكنها أيضاً بتبنّيها الرواية الدينية وإغفالها الفكرة الوطينة القومية، دعمت، من حيث لا تقصد، الرواية الصهيونية المتمحورة حول العودة إلى أرض الميعاد. ثم، أكثر من ذلك، ساهم تكريس التعريف الديني للصراع في زيادة دعم إسرائيل من الحركات المسيحية المتصهينة في الغرب، التي تستعمل النصوص الدينية استعمالاً سياسياً. وهكذا بات وجود دولة إسرائيل، في نظر داعمي الحركة الصهيونية في الغرب، وعداً إلهياً، تماماً كما ينبثق نصرنا عليهم، في نظرنا، من وعد إلهي استخلصناه من سورة الإسراء، كما لو أنها حربٌ بين وعود إلهية مفترضة، وليست صراعاً بين احتلال أجنبي غاشم وشعب يدافع عن وطنه.
تلقى المشروع الوطني الفلسطيني ضربة قاسية بنتائج معركة طوفان الأقصى، رغم نتائجها الإيجابية على صعيد التفات العالم إلى الحقوق الفلسطينية. علينا أن نعترف بذلك بدل أن نذهب إلى التلاعب في الألفاظ كما اعتدنا أن نفعل منذ هزيمتنا الكبرى في 1967 التي رحنا نسميها نكسة رغم نتائجها الكارثية المتواصلة. لكننا أيضاً مطالبون بتحليل هذه المعركة تحليلاً موضوعياً مفيداً، من أجل المسارعة إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني الذي ما يزال حياً وسيبقى، ولكن على أساس استخلاص العبر وتجنب العودة إلى الحلقة المفرغة ذاتها من الأخطاء والأوهام والانحراف عن الواقع، فليس عيباً أن نفكر موضوعياً في مصلحة المشروع التحرري الفلسطيني، ومستقبله، وكيفية إعادة بنائه، وأن نتوقف عن الانجرار وراء العاطفة الدينية في تعريفنا الصراع مع الحركة الصهيونية.