في إسقاط نائب مصري لا يحب الرئيس

21 ديسمبر 2020
الصورة

أحمد طنطاوي .. رفض في البرلمان المصري تعديل الدستور للتمديد للسيسي

+ الخط -

كان أحمد طنطاوي الأكثر شهرة ومتابعة وإثارة للجدل، ما بين أعضاء مجلس النواب المصري (2015)، وذلك لمواقفه وخطابه الذى اتسم بالجرأة، وتمثيل الرأي العام في قضايا جوهرية، اقتصادية ترتبط بمعيشة المصريين، وأخرى تتعلق بالسياسات الخارجية. منها رفض اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، وما ترتب عليها من تنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، رفضه التطبيع مع إسرائيل، ومطالبته بإعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد (1978). كما كان رافضا مصادرة الحريات، ومنها التشريعات التي تقنّن القمع. وطالب تكرارا بالإفراج عن سجناء الرأي، وتعديل قانون التظاهر. وهو أيضا النائب التقدّمي المعارض لسياسات اقتصادية تقشفية، والمطالب بتحسين خدمات الصحة والتعليم ورفع الأجور، سواء في الجلسات العامة، أو جلسات لجنة الخطة والموازنة التي كان عضوا فيها. ولعل أبرز مواقفه جرأة، والذي شكل نقطة تحول، واتخاذ موقف عدائي حاد منه، تضمن حملات تشويه، وبلاغات تطالب بإسقاط عضويته، معارضته تعديلات دستور 2014، معلنا أنها تكريس لحكم الفرد، وتعيد مصر إلى العصور الوسطى.

مواقف طنطاوي صادمة لجمهور المؤيدين الذين يعتبرون أن الخط الفاصل بين المعارضة المسموح بها تتوقف عند تناول رئيس الجمهورية

وإذ تأملتَ التجربة البرلمانية المصرية منذ دستور 1971، ستجد من نواب معدودين، موقفهم وخطابهم من رأس السلطة واضحا، وربما صادما لجمهور المؤيدين الذين يعتبرون أن الخط الفاصل بين المعارضة المسموح بها تتوقف عند تناول رئيس الجمهورية. خرج أحمد طنطاوي عن هذا الخط، واعترض على تعديلات الدستور التي تسمح بتمديد حكم عبد الفتاح السيسي إلى العام 2034. قال طنطاوي إنه لا يحب الرئيس، ولا يثق في أدائه، ورأى التعديل ينفي أبسط قواعد المنافسة. وعلى الخط الواضح نفسه، طرح مبادرة سياسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، تضمنت التراجع عن التعديلات الدستورية، لتنتهي فترة رئاسة السيسي 2022. وتضمنت أيضا حزمة مطالب تعالج جانبا من الأزمة الاقتصادية، وتطلق الحريات، وهو ما اعتبرته دوائر السلطة، ومنهم أغلب نواب البرلمان، تجاوزا غير مسموح في حق الجيش والشرطة، بل اعتبر رئيس مجلس النواب أن من يمسّ القيادة السياسية لا مكان له في أرض مصر، عدا عن بلاغاتٍ تتهمه بالدعوة إلى قلب نظام الحكم.
لذا لم يكن خبر إسقاط أحمد طنطاوي في جولة إعادة المرحلة الثانية من انتخابات النواب 2020 عاديا، وقد حظي باهتمام من جمهور تجاوز أبناء محافظة كفر الشيخ، إلى قطاعات شبابية وديمقراطية، اعتبرت الرجل يمثلهم، حيث تعرّفوا على توجهاته الاجتماعية والسياسية خلال أدائه في أثناء عضويته في البرلمان، وظل خارج آليات تدجين السلطة وقوائمها التي تنتج برلمانا معروف أغلب شخوصه وتوجهاتهم مسبقا.

لم يكن خبر إسقاط أحمد طنطاوي في جولة إعادة المرحلة الثانية من انتخابات النواب 2020 عاديا، وحظي باهتمام من جمهور تجاوز أبناء محافظة كفر الشيخ

وفي استمرار حالة استهداف سابق، شمل تقديم التحريض، وتقديم بلاغات، والمطالبة بإسقاط العضوية، احتفت وسائل إعلام بسقوطه، وهي ذاتها التي هاجمت النائب، واتهمته بالتعاون مع كيانات إرهابية، والحديث لوسائل إعلام غير مصرية (خارج الضبط، وإرهابية)، بل وإصدار مجلس النواب قرارا استهدف طنطاوي والنائب هيثم الحريري لمنع الإدلاء بتصريحاتٍ تتعلق بالسياسات الاقتصادية، أي على النواب إقرار السياسات وتمريرها، وإن كان ضروريا الظهور إعلاميا، فليكن لدعم تلك السياسات.
كان طنطاوي والحريري النائبين الأكثر نشاطا في تكتل 25 – 30. وبخروجهما، يخسر التكتل سبعة نواب، ولا يُنتظر في ظل وصول نواب ينتمون إلى أحزاب معارضة شاركت في القائمة الوطنية، أن تكون هناك أصوات مشابهة، وهو الهدف الذي يتسق مع توظيف كل الأدوات لاستبعادهما، ومن بينها الرشاوى الانتخابية التي لم تقتصر على دوائر النائبين، كما يتضح مما تم بثه إلكترونيا من تسجيلات مصوّرة.
من بين أسباب التجييش والهجوم على طنطاوي ورفاقه أن خطابه قريبٌ من مطالب ثورة يناير، وهو أحد شبابها الذي اختار أن يكمل مساره متجاوزا الإحباط، ونموذج النائب الفرد، النرجس صاحب المشروع الفردي، إلى قائدٍ يريد، مع آخرين، صياغة مشروع جماعي للتغيير، وبناء تحالف انتخابي، لتشكيل كتلة ديمقراطية. ولكن تحالف الأمل، والذي كان يضم مجموعة من شباب ثورة 25 يناير، تم إجهاضه. وما زال حسام مؤنس، وزياد العليمي (النائب السابق) بجانب الحقوقي حسن بربري، والصحافي هشام فؤاد، محبوسين على ذمة تحالف الأمل، يواجهون اتهاماتٍ بمعاونة جماعة إرهابية. وعلى الرغم من أن الهدف كان إصلاحيا وسلميا وخلال أطر رسمية، إلا أنه أقلق السلطة وأزعجها، فهي لا ترضى سوى بالتأييد، أو معارضة تستجدي، وتطالب بالمنح. لا معارضة تنطلق من قاعدة الحقوق والحريات، وتريد تجاوز نمط حكم سلطوي ولو بشكل تدرجي، وعبر طرق وأطر داخل النظام السياسي الرسمي.

خطاب أحمد طنطاوي قريبٌ من مطالب ثورة يناير، وهو أحد شبابها الذي اختار أن يكمل مساره متجاوزا الإحباط، ونموذج النائب الفرد

واستمرارا لسعيه إلى التغيير، طرح نائب الشعب، أحمد طنطاوي، بعد حراك سبتمبر 2019، مبادرة للإصلاح السياسي، تضمنت بنودا أبرزها العودة إلى دستور 2014، والإفراج عن سجناء الرأي، ورفع الأجور، إلا أن هذه المبادرة كانت من ضمن المحطات الأكثر إزعاجا للسلطة أيضا، والتي تسعى إلى إجهاض أي مشاريع أو مبادرات، حتى ولو كانت إصلاحية، وإبعاد أي منافسين محتملين، حتى ولو انتموا إلى السلطة سابقا. وذلك لكي تضمن استقرارها، وتنفي وجود أي بدائل، كما تمنع، عبر ضبط تشكيلة البرلمان، أي فرصةٍ لتكوّن قيادات سياسية جماهيرية حقيقية مستقبلا، لأن ساحة البرلمان هي إطار لتشكل النخب السياسية وبروزها، وكان ذلك حاضرا في تجربتي النائبين السابقين، حمدين صباحى وأيمن نور. وهما على الرغم من اختلافات بينهما، إلا أن مراحل تكونهما ارتبطت بمسار العمل الطلابي، والحزبي والشعبي، وشكلت تجربة البرلمان لهما محطة مهمة وخطوة سابقة على ترشّحهما للرئاسة في انتخابات تالية، غير نائب الإسكندرية أبو العز الحريري.
وتوضح حالة الاستبعاد لعدد من النواب، ضمنهم طنطاوي، أن السلطة ترفض أي صوتٍ معارضٍ بشكل حقيقي، وأنها استبدلت هؤلاء بمن لديهم إمكانية السير على الحبال، وإطلاق خطاباتٍ تحتمل التأويل، أو في أحسن الأحوال اقتصار مساحات الجدل على قضايا جزئية، لا يغيب فيها النقد عن مدحٍ مبطّن أو بدايات الثناء، وصولا إلى المداهنة، وأحيانا استجداء للسلطة، وهو ما سنراه، في الأغلب، من أداء نواب محسوبين على أحزاب معارضة دخلت البرلمان، عبر قوائم أعدّتها أجهزة أمنية، أو سمح لها بالنفاذ بدرجة أقل في المقاعد الفردية، والتي شهدت بعض دوائرها تنافسا بين مرشحين.
في كل الأحوال، استهداف طنطاوي وغيره من نواب إصلاحين ليس مصادفة. وسواء تم إدراج تفسيراتٍ تخص خطأ في احتساب أرقام اللجان أو تحالف المنافسين واستخدام الرشاوى، فإن وقائع الاستهداف سبقت الترشّح، ولا صعوبة في إثباتها. لذا ليس خروج هذه الكتلة من البرلمان أمرا عاديا، كما يحاول معلقون إثباته إرضاءً للسلطة، وتجاهلا لسياق سياسي خانق. كما أن تبخيس المشاركة البرلمانية عموما، والطعن في المشاركين فيها بوصفهم يمنحون الشرعية لبرلمان الانقلاب، تحليل قاصر وجزئي، ويتجاهل تنوع طرق المشاركة السياسية، وسبل تفكيك الأزمة الحالية، وينفي خياراتٍ ممكنة، أبرزها تكوين كتلة ديمقراطية، والضغط من أجل نظم انتخابية تسمح بتمثيل حقيقي للناخبين. وعموما، لا ينفي هذا الطرح خيارات أخرى، فالأزمة في مصر محكمة، ولكن مجرّد التعليق عليها لا يفكّكها.