في أهمية مذكرات إبراهيم غوشة

في أهمية مذكرات إبراهيم غوشة

07 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

لعلها وفاةُ القيادي السابق في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والناطق السابق باسمها، المهندس إبراهيم غوشة، عن 85 عاما في عمّان، قبل أيام، مناسبةً لإطلالةٍ جديدة على كتاب مذكّراته، وسمّاه "المئذنة الحمراء .. سيرة ذاتية" (مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، طبعتان، 2008، 2015). وفي ظنّ صاحب هذه المقالة أن المطالعة في روايات الإسلاميين عن وقائع وأحداث (ونوازل؟) كانوا مشاركين فيها أو شهودا عليها أمرٌ شديد اللزوم، غير أن كثيرين، وبعضُهم باحثون ويرتدون ثوب الأكاديمية، يتعفّفون عن هذا الأمر، ويُؤثِرون البعد عن مروّيات الإسلاميين، تعاليا أو لنقصان الثقة فيهم. ولكن قسطا من المسؤولية عن هذا الحال يقع على الإسلاميين أنفسهم، بالنظر إلى مشكلاتٍ ظاهرةٍ لدى كثيرين منهم، عندما يدوّنون مذكّراتهم، أو يستعيدون محطّاتٍ وتجاربَ مرّوا بها، في أحاديث ومقابلات مع الصحافة، غير أن هذا ليس عامّا، ولا يجوز القول به في المطلق. وبالنظر إلى موقع حركة حماس المركزي في مشهد الإسلام الحركي والسياسي، فإن لسرديّات قادتها وناشطيها ومؤسّسيها قيمتها عند توثيق مسار الحركة وتأريخ محطّاته، بل وأيضا عند محاولات فهم سياقات وقائع فلسطينية (وعربية أحيانا) راهنةٍ وماضية. وربما، أمكن القول، وبشيءٍ من التحرّز والحذر المنهجي (الأكاديمي؟)، إن بعض الوفرة صارت عليه، إلى حدٍّ ما، شهاداتُ شيوخ "حماس" ومسؤوليها، من جيليْها الأول والثاني، غير أن الحاجة إلى المزيد تبقى ملحّة، كما أن الحاجة إلى فحص الميسور والمنشور، والتدقيق فيه، أكثر إلحاحا، فضلا عن جمعه ولملمته .. ودرْسه إن أمكن أيضا.
لا شطط في الزعم هنا إن "المئذنة الحمراء .. " واحدٌ من أهم نصوص السير الذاتية للشخصيات الفلسطينية، الإسلامية وغيرها، ليس فقط لامتداد مساحاته الزمنية، وإنما أيضا للحضور المتعدّد والمتنوّع (والشائق أحيانا) فيها للاجتماعي والثقافي والسياسي، في فلسطين والأردن، وفي مقطعٍ من مصر أيضا. ومع ما لزم الكتاب، المدعوّ هنا إلى قراءته، من التحرير المهني والتخفّف من تعبيراتٍ متزيّدة، وربما إلى تدقيقٍ في بعض الوقائع، الأردنية والفلسطينية، إلا أنه كتابٌ يحتفظ بقيمةٍ علميةٍ مهمة، سيما في إضاءات شهادة صاحبه على عديد التفاصيل. وفي كل الأحوال، لمهندس الإنشاءات والمشاريع، إبراهيم غوشة، أن يكتب ما يكتب، مثلا، عن شرب البيرة في مقرّ نقابة المهندسين الأردنيين في منتصف السبعينيات، وعقد اجتماعاتٍ فيه في أثناء صلاة الجمعة، وعن عدم نصرة "الإخوان المسلمين" في الأردن قادة "حماس" بالمقدار المطلوب، في أثناء أزمة إبعاد أربعةٍ منهم (أحدهم غوشة) إلى قطر، وعن مجادلاته الحادّة مع ياسر عرفات في الخرطوم وصنعاء وتونس، له أن يقول عن هذه الأمور وغيرها، كما يشاء، فالكتاب مذكّرات وسيرةٌ ذاتية، غير أن للآخرين أن يعقّبوا ويردّوا ويصحّحوا و.. . وفي حدود اطلاعه، لم يصادف كاتب هذه المقالة تعقيباتٍ وردودا على الكتاب، إلا إذا نُشر شيءٌ منها ثم تاه في سراديب نسيانٍ محتمل.
لا تنشغل هذه السطور بالإحالة إلى المضامين الوفيرة، والغنية حقا (بناء سدّ الملك طلال في الأردن، وبناء أبراج الكويت، .. إلخ) في "المئذنة الحمراء .." (اختار غوشة هذا الاسم تأشيرا إلى مئذنةٍ كانت أعلى ما كان يراه في حارة السعدية في القدس في أثناء لعبه طفلا هناك). ولا إلى ما قد تكون مؤاخذاتٍ، عارضةً للحق، من قبيل اعتبار القيادي الإسلامي الراحل، رحمه الله، كتابَه "لا يحمل في طيّاته غير الحقائق" التي عاشها، وإنما مقصد هذه السطور التأشير إلى الأهمية الخاصة لهذه المدوّنة التي بقدر انتسابها إلى جنس السيرة الذاتية، في الوُسع نسبتُها إلى التاريخ الموّثق بمروّيات الناس والشهود متعدّدي وجهات النظر وزوايا الرؤية. وأظن أن ما دوّنه غوشة عن تجربته طالبا، إخوانيا، في كلية الهندسة في جامعة القاهرة في منتصف الخمسينيات، فريدٌ من حيث "توثيقيته"، فاللحظة كانت شديدة الحساسية أمنيا ومخابراتيا في استهداف الإخوان المسلمين في مصر، وكان الطالب الشاب نشطا في عملٍ سرّي، وعلى معرفة بطالبٍ آخر في الكلية نفسها اسمه ياسر عرفات. وإلى هذا الأمر، وكثير غيره، اشتمل الكتاب على منظور لدى صاحبه اتصف باتّساعٍ في الرؤية المتحرّرة من الاعتبارات السياسية والأيدولوجية والتنظيمية، كما الذي كتبه عن الوحدة المصرية السورية، وعن شخص جمال عبد الناصر، وحزب التحرير الإسلامي، بل وأيضا عن عرفات في مراحل مبكرة، فثمّة في هذه المطارح رحابة الأفق، وسلامة المنطق الذي يغلّب مصلحة الأمة، والانحياز إلى الحقيقة، ما أمكن، وليس غيرها.
هي الدعوة هنا، فحسب، إلى قراءة "المئذنة الحمراء .."، سيرة إبراهيم غوشة الذاتية، والتي أطلّ في كتابتها على وقائع وحوادث بعضُها طريٌّ في الذاكرة وقريب، وبعضٌ آخر بعيد، وفي الموضعيْن ثمّة المُثيرُ والمفيدُ والممتع، وثمّة المحفّز على الجدل والاختلاف. .. رحمه الله.