في أسباب ما حدث في تونس

في أسباب ما حدث في تونس

10 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

جاءت الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في 25 الشهر الماضي (يوليو/ تموز) تتويجاً لانفجار الأزمة السياسية التي عاشتها تونس منذ أشهر عديدة ما بين أقطاب النخبة السياسية الحاكمة، وتجسّدت في صراع مفتوح ما بين الرئيس سعيّد من جهة أولى، وكل من رئيسي الحكومة هشام المشيشي والبرلمان راشد الغنوشي من جهة ثانية، لكن جذورها وأسبابها تمتد إلى ما تمخّضت عنه انتخابات 2019 من أغلبية برلمانية منقوصة ورئيس دولة جاء من خارج المنظومة الحزبية القائمة، مستنداً إلى حمولةٍ شعبويةٍ معاديةٍ للأطر الحزبية، ومارست قطيعة تامة معها، وأفضى ذلك كله إلى استمرار الأزمة وتفاقمها، وترك آثاراً سلبية عميقة على مختلف مفاصل الدولة والمجتمع، وعلى حياة الشعب التونسي وأوضاعه المعيشية في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد منذ سنوات، فضلاً عن الفشل في مواجهة فيروس كورونا. غير أن انفجار الأزمة جاء على حساب توجيه ضربة قوية لتجربة الانتقال الديمقراطي الذي أطلقته الثورة التونسية بعد إطاحة نظام زين العابدين بن علي المستبد بداية عام 2011، وبات يهدّد ما سمي الاستثناء الديمقراطي التونسي المحاط بأعداء عديدين في الداخل من قوى الثورة المضادّة، وبأنظمة الاستبداد العربي المقيم في الخارج، والمعادية لأي انتقال ديمقراطي في بلداننا العربية.
والأخطر أن تؤدي إجراءات الرئيس سيعد إلى العودة إلى السلطوية والاستبداد، كونها أفضت إلى تجميع السلطات بيده مع إقالة الحكومة، وتعليق عمل البرلمان. وقد يسفر الأمر عن اتخاذ آلياتٍ من أجل تغيير النظام السياسي، بما يفضي إلى تغيير قواعد الحكم عن طريق اتخاذ مزيد من الإجراءات، لتغيير هوية النخب التي تسيطر على القيادة السياسية ومؤسسات الدولة وعلى صنع السياسات، خصوصا أن الرئيس سعيّد معروف عنه تذمّره من النظام السياسي التمثيلي القائم، حيث لم يخف ميله إلى تعديل الدستور الحالي، بغية إعادة النظام رئاسياً كما كان عليه ما قبل الثورة. وهناك أمثلة عديدة في دول العالم على التحولات من الديمقراطية إلى السلطوية، مثل فنزويلا خلال فترة حكم هوغو تشافيز والإجراءات التي قام بها الرئيس ألبيرتو فوجيموري في البيرو.

القوى والأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية لم تفرز سوى أجهزة بيروقراطية استشرى فيها الفساد، وتحوّلت إلى جماعاتٍ ريعيةٍ تنهب مقدّرات الدولة

وقد أسهم الصراع بين النخب السياسية الحاكمة في تونس منذ بداية الانتقال الديمقراطي إلى إطاحة عدد من الحكومات، مع بروز أزمة هيمنة فيما بينها في ظل انهيار الاقتصاد التونسي العالق في أزمةٍ مستفحلةٍ مع غياب الإصلاحات المطلوبة، والذي يعبّر عنه تطوّر حجم الدين من 45% من الناتج القومي العام في 2010 إلى حوالي 100% في هذا العام، إضافة إلى انقسام النخب السياسية الحاكمة وتآكل شرعيتها. ومنذ سنوات عديدة، والأوضاع في تونس تسير نحو الأسوأ، خصوصا على مستوى الاقتصاد، وشهدت نشوب معارك سياسية نتيجة الصراع بين نخب إسلامية وعلمانية ما بين 2011 و2013، والتي انتهت بمصالحة هشّة وتوافق على وضع دستور 2014 الذي أسّس لنظام هجين ومختلط، منح الرئيس مسؤولياتٍ أساسية مقابل إعطاء البرلمان صلاحيات واسعة، الأمر الذي نجم عنه صراع جديد بين الرئاسات، وسيادة حال من الفوضى وغياب الرؤى السياسية، أسهمت في تفاقم انهيارات اقتصادية واجتماعية، وغياب دور الدولة في التخطيط التنموي المراعي للتوازنات الطبقية والجهوية، مقابل جنوح مجموعاتٍ وقوى حزبية إلى نهج من الابتزاز والسعي إلى السيطرة على مفاصل الدولة من أجل مصالحها، وتمتين علاقات المصالح مع قوى المال والأعمال وشبكات الفساد، الأمر الذي أسهم في زيادة حدّة معاناة الفئات الوسطى والفقيرة، وعدم حماسها في الانخراط في الفضاء العام، والعزوف عن التفاعل مع متطلبات الانتقال الديمقراطي بعد الثورة، ذلك أن القوى والأحزاب السياسية والمؤسسات الاجتماعية لم تفرز سوى أجهزة بيروقراطية استشرى فيها الفساد، وتحوّلت إلى جماعاتٍ ريعيةٍ تنهب مقدّرات الدولة، ولا تكترث بمصالح الشعب وحاجاته. لذلك ارتفعت أصوات نقدية داخل الأحزاب القائمة، تطالب قياداتها بالتنحّي وإفساح المجال أمام قيادات شابة جديدة، وتلقي باللائمة على سلوكها وتصرّفاتها وتحالفاتها التي أفضت إلى النكوص في مسار الانتقال الديمقراطي المنشود.

لم يتجسّد الصراع السياسي التونسي بين أغلبية حاكمة وأقلية معارضة، بل في صراع المواقع والصلاحيات بين مؤسسات الحكم الثلاث

واتسم المشهد السياسي التونسي بعد الثورة بتوازناتٍ ضعيفة وهشّة، حيث جرى التركيز على التسويات السياسية ما بين القوى والأحزاب السائدة، والتوصل إلى توافقاتٍ من أجل الاستمرار في عملية الانتقال الديمقراطي، لكن تلك التوافقات والتسويات أضحت عاملاً معطّلاً ومعيقاً، خصوصا في ظل عدم وجود طرف قوي، سواء في السلطة أم في المعارضة، الأمر الذي يفسّر جنوح الصراع الدائر نحو الشخصنة، وعدم القدرة على القيام بمبادراتٍ سياسيةٍ جريئةٍ لإنهاء حالة التعطيل التي شهدتها تونس في مختلف المجالات، فضلاً عن حالة عدم الانسجام بين أحزاب وقوى الائتلاف الحاكم وضعف المعارضة وتفكّكها، وأفضى ذلك إلى استقطاب شديد بين النخب السياسية، وجمود في مجلس النواب الذي تحوّل إلى منصةٍ لكيل الاتهامات وتبادل الشتائم، وإلى عدم تشكيل المحكمة الدستورية المنوط بها الاحتكام والفصل في دستورية كل الإجراءات والتوجّهات المتخذة. وبالتالي، لم يتجسّد الصراع السياسي بين أغلبية حاكمة وأقلية معارضة، بل في صراع المواقع والصلاحيات بين مؤسسات الحكم الثلاث، الأمر الذي أتاح صعود ظواهر شعبوية، بوصفها تعبيراً عن فشل النخب الحاكمة في تلبية متطلبات حاجات عامة التوانسة، كونهم المتضرر الأكبر من الأزمات السائدة.

تتصرّف أغلب الأحزاب والقوى السياسية في تونس وفق توجهات نفعية وتطرح مطالب ضيقة وفئوية، وتمادت في نهجها بشكل أضرّ بالدولة والمجتمع

وعلى الرغم من أن أغلب الأحزاب والقوى السياسية في تونس ترفع شعار العدالة الاجتماعية، وتدّعي أنها تدافع عن الديمقراطية، لكنها في واقع الأمر تتصرّف وفق توجهات نفعية وتطرح مطالب ضيقة وفئوية، وتمادت في نهجها بشكل أضرّ بالدولة والمجتمع، ويعود ذلك إلى المنطق الذي ساد بين النخب السياسية في تونس بعد الثورة التونسية والذي قام على المحاصصة والتغلب من أجل السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، وأفضى إلى نشوء فجوات كبيرة بين هذه النخب والعامة من الشعب التونسي الذين شعروا بالإحباط وخيبة الأمل من الأحزاب والمؤسسات القائمة، وإلى فقدانهم الثقة في الآليات والإجراءات الديمقراطية، بعد أن تمادت القوى الحزبية في مهاتراتها ومماحكاتها.
وعلى الرغم من كل ما حصل من إجراءات غير ديمقراطية في تونس، فإن الأمل يبقى معقوداً على القوى الحيّة في المجتمع التونسي، الحريصة على استكمال عملية الانتقال الديمقراطي، والقادرة على التفكير بواقعية في مسارات بنائها، واستعادة الدعم الشعبي لها عبر الالتفات إلى حلحلة همومه وتحقيق مطالبه في العيش الكريم، وبما يمنع تونس مع العودة إلى الوراء نحو التسلطية والديكتاتورية.