في أجواء كأس العرب

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:23 (توقيت القدس)

منتخبا قطر وفلسطين قبل مباراتهما في افتتاح كأس العرب في ملعب البيت بقطر (1/12/2025 Getty)

+ الخط -

لا يعبُرُ مشهد متابعة غزّيين في خيامٍ هناك مباراة منتخبي فلسطين وقطر في افتتاح بطولة كأس العرب، حيث الخراب والتشرّد والمطر بلا سقوف تُنجي منه، وحيث الحربُ الإسرائيليةُ المعلنةُ على القطاع المنكوب وكل من فيه، لا يعبُرُ كما أي مشهدٍ على الشاشات، لما يشتمل عليه من غزارةٍ في المعاني والدلائل، مضافاً إليه مشهد غبطة هؤلاء الناس وفرحتهم بالفوز (المفاجئ؟) الذي أحرزه منتخب فلسطين في المباراة الشائقة في ملعب البيت في الخور. ولك أن تقول إن حاجة أهل غزّة إلى أيِّ فرحة، من أيِّ نوع، كانت باديةً في الوجوه والأعين الشاخصة نحو شاشات التلفزيون، حيث "الفدائي" (لقب منتخب فلسطين) يحدوه طموحٌ إلى أن يُنجز لنفسه حضوراً كروياً متقدّماً في هذه البطولة العربية التي تأهّل لها بصعوبة، بعد تغلّبه على فريق ليبيا بركلاتٍ ترجيحية. جاء مدرّب المنتخب، إيهاب الجزار، بلاعبين ذوي إمكانات، يلعبون في عدّة أندية عربية وأجنبية، والأمل قويٌّ بأن الروح المعنوية العالية، والتأهيل الكبير، سيخدمان المنتخب الذي يبدو أنه وحدَه الذي يُؤمَل منه أن يأتي بالفرح لعموم الفلسطينيين، وفي مقدّمتهم أهل غزّة المحاصرون الذين يخوضون معركة بقاء صعبة. ولأن اليأس بلغ في الشعب المُتعب مدىً بالغ الفظاعة، فإن انتظار إنجاز كروي في هذه المناسبة العربية الكبرى سيجدّد بين الفلسطينيين الثقة الباقية فيهم بأن في وُسعهم، مجتمعين، أن يصنعوا الأفضل والأجمل.

قبل الفوز الفلسطيني، كان فوز منتخب سورية على منتخب تونس، وجاء مفاجئاً لكثيرين، بالنظر إلى ما المعلوم عن إمكاناتٍ عاليةٍ للمنتخب التونسي، وما هو معروفٌ عن واقع حال الرياضة السورية وعثراتها في الظرف الانتقالي الراهن. كثيرون من أشقائنا السوريين في غضون أعوام الأسد الدامية وحربه إياها كانوا يشتهون خسارة منتخب بلدهم، وكان هذا مؤلماً، لاعتبارهم أنه منتخب النظام، لا الشعب ولا البلد. اختلف الحال الاثنين الماضي، كان السوريون موحّدين في تشجيع منتخبهم الناهض والقادر (أغلب لاعبيه من "منتخب النظام"!)، والذي أشعل إحرازُه فوزاً ثميناً أشواقهم إلى زمنٍ ذهبيٍّ لكرة القدم السورية، وإلى حالةٍ وطنيةٍ جامعة، تلملمهم تحت مظلّة منتخبٍ يشعرون بانتمائه إليهم.

ومع النجاحيْن، الفلسطيني والسوري، في اليوم الأول للتظاهرة الرياضية الكبرى، يتأكّد المعلوم الذائع عن انتساب كرة القدم شعورياً للسياسة، لا إلى "اللعب الحلو"، كما نُضمر نحن الذين نحاول التملّص من إظهار مشاعرنا الذاتية. لا تتحدّد خياراتُنا في تحبيذ فوز هذا المنتخب وخسارة ذاك إلا حسب أهوائنا السياسية التي تُعيّن وجهاتِها مواقف الدول رسمياً في غير شأن، وفي المقدّمة الشأن الفلسطيني. وهذا من طبائع الأمور وبديهيّاتها، غير أننا، في الوقت نفسه، نغتبط في الفُرجة على مباراةٍ فيها المواهبُ واللمساتُ والكفاءاتُ والقدرات الرياضية، والمسلكياتُ الأخلاقية من قبل ومن بعد. وعندما يلعب المنتخب الوطني، لا يمكن إلا أن نكون وطنيين، نتعصّب لرمزية منتخب البلد، فنكون معه، جيداً لعب أم لم يتقن الأداء.

بهذه الخلطة من الأحاسيس والمشاعر، وبهذه الأنفاس، يتابع العرب في كل مكان منافسات بطولة كأس العرب 2025، ولمّا صار المشترك الذي يوحّد الأمة مخدوشاً بالنزوعات المذهبية والمناطقية والطائفية، وبالانتماءات القبلية والجهوية التي تغذّيها غرائزُ تغويها أوهام السيطرة والغلبة، فإن الحدث الرياضي الذي جاء تنظيم حفل افتتاحه مُبهراً، ودلَّ مجدّداً على كفاءة قطر وأهليّتها في التميز الكبير، يأتي حاجةً شديدة الضرورة، تيسّر جرعةً حارّةً من الشعور الذي تأتلف الأمة فيه، وفي ظلاله وأرجائه، أي الشعور بأننا أمّة عربية واحدة، قبل أي توصيف، أمّة تغتني ثقافياً وإنسانياً بكل المكوّنات غير العربية فيها. كان حفل تدشين البطولة استثنائيّاً في جمعه إيقاعاتٍ وتشكيلاتٍ غنائيةً وفنيةً وفلكلورية ضمن اللوحة العربية المتنوّعة في إطارها الجامع الشامل. وبذلك كله، بدا أن لدى العرب جدارهم الوجداني الذي يحميهم، لا شعوريّاً فقط، بل وعملياً. وبدا أن نجاحات قطر في تنظيم التظاهرات والمناسبات العالمية والعربية الكبرى، الرياضية وغيرها، رصيدٌ ثمينٌ للأمة، في وسع كل عربي الاعتزاز به، والعلوّ به.

هي إشاراتٌ وشذراتٌ من بين كثيرٍ يمكن أن ينكتب عن العرب وكأسهم، وهم يفتّشون عن الفرح والغبطة بالانتساب إلى أنفسهم، في مجموعهم العام وفي أحوالهم فرادى.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.