في آفاق العلاقات السورية الروسية
شكلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو، الأسبوع الماضي، خطوة إضافية باتجاه إعادة رسم علاقات سورية الجديدة مع روسيا، وإجراء مراجعة كاملة لمسارها السابق. وجاءت في ظل متغيرات جيوسياسية متسارعة، على مستوى الداخل السوري وفي منطقة الشرق الأوسط. وقد اكتست الزيارة أهميتها ليس فقط من أنها الثانية في أقل من ثلاثة أشهر، بل لأنها عكست زيادة جرعة الثقة بين القيادتين، الروسية والسورية، وحرصهما على إعادة بناء العلاقات بين الدولتين وتطويرها وفق أسس جديدة، مختلفة تماماً عما ساد العلاقات بينهما في عهد نظام الأسد البائد.
اللافت أن الزيارة لم تُعلَن إلا قبل يوم أو يومين من حدوثها، وتزامنت مع متغيراتٍ مهمّة شهدتها الخريطة السورية، وذلك بعد أن بسطت قوات وزارة الدفاع السورية سيطرتها على أغلب المناطق التي كانت تخضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظات الجزيرة في شمال شرقي البلاد، وترافق ذلك مع إخلاء القوات الروسية أماكن تمركزها في مطار مدينة القامشلي، استجابةً، على ما يبدو، لطلب الحكومة السورية، الأمر الذي فُسّر بادرةً تهدف إلى بناء علاقات طيبة، وإشارة إلى أن روسيا لن تنجر إلى القتال بين قوات الحكومة السورية و"قسد"، في وقت تسعى السلطة السورية إلى بسط سيطرتها المركزية على كامل التراب السوري.
الأهم دعم موسكو جهود الحكومة السورية في مسعاها السيادي، وقد أكّده حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على توجيه عبارات الإشادة بنجاحات القيادة السورية في عملية إعادة بناء سورية الجديدة، وتوحيد أراضيها، ودعم مساعي الحكومة الرامية إلى بسط سيادة الدولة على كل مناطقها، الأمر الذي قابله الرئيس الشرع بالإشادة "بالدور الروسي الفعّال في المحافظة على الاستقرار في سورية".
تاريخياً، كان الاتحاد السوفييتي السابق من أولى الدول التي اعترفت باستقلال سورية، وأقامت علاقات دبلوماسية معها في 1944، واحتلت العلاقات الثنائية صفحات بارزة وهامة من تاريخ سورية المعاصر، لذلك حاول بوتين التذكير بهذا الإرث التاريخي من أجل البناء عليه، ودعم مسعى القيادتين فتح آفاق جديدة. غير أن السؤال الذي تطرحه الزيارة يطاول آفاق تطوير العلاقات السورية الروسية ومستوياته، وممكنات طيّ الصفحة السوداء في تاريخ العلاقة بينهما، تلك التي شهدت دعم روسيا الواسع نظام الأسد البائد في حربه ضد الثورة السورية، وارتكابها فظائع بحق الشعب السوري.
آفاق تطوير العلاقات بين موسكو ودمشق يتعلق بمقدار تقاطعات المصالح المشتركة في مختلف المستويات
لا يغادر الجواب عالم السياسة الدولية الذي تتحكم فيه المصالح، إذ يمكن القول إن آفاق تطوير العلاقات بين موسكو ودمشق يتعلق بمقدار تقاطعات المصالح المشتركة في مختلف المستويات، خصوصاً أن قائدي الدولتين اختارا إعادة بنائها وفق محددات وأسس جديدة، تنهض على البراغماتية السياسية، التي تأخذ في الاعتبار التوازن بين المصالح والواقعين الجيوسياسيين، الإقليمي والدولي، وتجد مسوغاتها عند القيادة السورية، فيما تفرضه ضرورات الواقع السوري والظروف الإقليمية والدولية، وما يمثله موقع روسيا ودورها على المستوى الدولي.
وفي ما يخص روسيا، لا تريد خسارة علاقتها التاريخية مع سورية، والمحافظة على وجودها العسكري فيها، المتمثل بقاعدة حميميم الجوية، وقاعدة ميناء طرطوس البحرية على الساحل السوري المطل على البحر الأبيض المتوسط. إضافة إلى ما تمليه مصالحها الاقتصادية والتجارية، وحساباتها الجيوسياسية في المنطقة.
ويشكل مصير الوجود العسكري الروسي في سورية إحدى أهم النقاط المطروحة للنقاش والتفاوض بين الطرفين. ولا شك في أن المباحثات بين الشرع وبوتين تناولته، خصوصاً أن حضور وزيري الدفاع في كلا البلدين المباحثات يشير إلى أهمية هذا الملف، حيث تقدّر بعض الأوساط بأن الطرف السوري يعمل على إطلاق مسار تفاوضي حول ترتيب جديد للوجود العسكري الروسي، قوامه وضع آلية جديدة في قاعدة حميميم تنهض على تعاون مشترك فيها، ويهدف إلى تأهيل الجيش السوري. إضافة إلى محافظة روسيا على حضورها في قاعدة طرطوس، من أجل تقديم تسهيلات لوجستية وإمدادات روسية إلى القارّة الأفريقية، إلى جانب مساهمتها في تقديم خدماتٍ لحركة السفن والأساطيل الروسية في البحر الأبيض المتوسط.
حكومة بنيامين نتنياهو غير راغبة في إتاحة المجال لتنشيط دور روسي في هذه المنطقة
على الصعيد الاقتصادي، هناك تقاطعات مصالح كثيرة فيه بين البلدين، خصوصاً ما يتعلق بسورية التي تحتاج إلى مختلف أنواع الدعم من أجل تعافيها والشروع في عملية إعادة الإعمار، حيث تقدّم روسيا دعماً فورياً في مجالات حساسة، مثل تصدير مشتقات البترول والغاز المسال، وتصدير القمح، وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز، واستغلال مناجم الفوسفات عبر ميناء طرطوس. ويمكن لروسيا أن تلعب دوراً في مرحلة إعادة الإعمار في سورية، حيث تتحضر شركات روسية كبرى مثل غازبروم إلى روسنفت للاستفادة من هذه المرحلة، والحصول على عقود وامتيازات في قطاع البترول والغاز، وتأهيل قطاع الطاقة.
على المستوى الأمني، ثمة نقطة أخرى، تتعلق باستمرار المفاوضات غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، الرامية إلى التوصل إلى تفاهمات أمنية في الجنوب السوري، حيث ترغب القيادة السورية في أن تلعب روسيا دوراً في هذا الملف، من خلال إعادة تسيير دوريات عسكرية في مناطق الجنوب السوري، بغية كبح جماح التوغلات الإسرائيلية. وقد سبق أن جرى التطرق إليه في الزيارة السابقة للرئيس الشرع إلى موسكو، لكن حكومة بنيامين نتنياهو غير راغبة في إتاحة المجال لتنشيط دور روسي في هذه المنطقة.
الحاصل، يمكن اعتبار زيارة الرئيس أحمد الشرع الثانية موسكو بمثابة خطوة مهمة لإعادة تأسيس علاقة جديدة بين سورية وروسيا، أساسها البراغماتية المبنية على المصالح المشتركة، وتحكمها حاجة البلدين إلى فتح آفاق جديدة، لكن نجاحها يعتمد على قدرة السلطة السورية في الحفاظ على توازن دقيق بين العلاقة مع روسيا والانفتاح على الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة التي يبدو أنها لا تمانع تطوير العلاقات السورية الروسية. والأهم نجاح هذه السلطة في تحقيق الاستقلال النسبي في وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية والعالمية بسرعة كبيرة.