في "واقعية" السياسة الأردنية تجاه الأسد

في "واقعية" السياسة الأردنية تجاه الأسد

22 يناير 2022
+ الخط -

قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، إن بلاده تحاول التأكّد من أن عملية سياسية جادّة ستتوصل إلى إنهاء الأزمة السورية. ويطرح هذا الكلام السؤال عن أبعاده ومراميه الحقيقية، والذي يكشف عن وجود إشكالية جغرافية بارزة خلفه، فقد كان مفروضا إطلاق هذا التصريح من موسكو وليس من واشنطن كما فعل الصفدي، على اعتبار أن روسيا باتت المتحكّم الرئيس بمخرجات العملية السياسية السورية، كما بترتيب أجندات التفاوض وشروط الحل.

ولكن يبدو أن هذه الإشكالية قد تكون موجودة لدى المتلقي، وخصوصا إذا كان متورّطاً بالتأثر بالمقتلة السورية إلى درجة تبعده عن قراءة حسابات الدول ومصالحها، واعتقاده أن "المنطق يقتضي بأن شخصاً ارتبط بسفك دماء شعبه من الأرجح أن يخرج من المشهد"، على ما قال الملك عبدالله الثاني عام 2017. أما الوزير الصفدي، فمن الواضح أن الواقعية التي بات يتبنّاها في نهج السياسة الخارجية تدفعه إلى عدم اتهام موسكو بإغلاق الأفق السياسي للحل، على اعتبار أن ذلك لم يعد مفيداً، ولا يوصل إلى أي نتيجة، في حين أن الواقعية تتطلب مطالبة الدول الأخرى تخفيض سقف مطالبها، حتى تصبح العملية السياسية على مقاس الروس والإيرانيين ونظام الأسد؟

الخشية أن يتحوّل الاستعجال الأردني في التطبيع مع نظام الأسد إلى ورقة يستثمرها الأخير

لافتٌ أن الصفدي بدأ حديثه مع الإعلام الأميركي بكلام رجل دولة، خالٍ من العواطف والبروباغندا، بقوله إن "الأردن كأي دولة تخدم مصالحها وتتعامل مع هذا الملف بما يحمي المصالح الوطنية الأردنية"، وهذا حق للأردن لا يمكن لأي عاقل نكرانه. وربما كان الموقف الأردني أقل انتقاداً من جانب معارضي التطبيع مع الأسد، نظرا إلى ظروفه الاقتصادية والامنية واستضافته أعدادا من اللاجئين تفوق قدراته. الموقف مفهوم على هذه الشاكلة، ويا ليت الحكومة الأردنية تعي هذا الأمر، فلا داعي لإلباسه ثوبا أكبر منه.

ولكن الإشكالية في المقاربات الجديدة التي تدعو عمّان إلى التعامل بها مع نظام الأسد، وقد حددتها في " اللاورقة"، أو المبادرة الخاصة بحل الأزمة السورية، والتي تقوم على مبدأ "خطوة خطوة"، تنطوي، من حيث الشكل، على توازن بين تخفيف العقوبات على النظام السوري ومقدار استجابته للحل السلمي وتطبيق مندرجات قرار مجلس الأمن 2254، وهذه بالمناسبة أمور غير تفاوضية، مثل إعادة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين وخروج المليشيات الإيرانية. ولكن يظهر أن صانع السياسة الخارجية الأردنية ينسى، في التطبيق العملي، المبادئ الواردة في "اللاورقة"، ويتعامل مع الملف من منطلق اللهم إني بلّغتُ فاشهد.

يدرك مناصرو التطبيع صعوبة ابتلاع الرأي العام التطبيع مع نظام الأسد ما لم يتم تغليفه بقضايا كبرى

واضحٌ أن الأردن يستعجل التطبيع مع الأسد بأي ثمن، وسبب زيارة الصفدي وتصريحاته في واشنطن القيود التي ما زالت تفرضها الإدارة الأميركية على حركة التطبيع مع الأسد، ويبدو أن الأردن كان يطمح لعملية تطبيع سلسة ومرنة تجاه النظام السوري، لكنه فوجئ بخطوط حمر أميركية فرملت حركته. وبالتالي، يسعى الصفدي إلى تشكيل ضغط على إدارة بايدن، لتفكيك حزمة قيودها وإطلاق يد الأردن في التطبيع مع نظام الأسد.

أكثر من جهة وطرف طرحوا سابقاً السؤال عما يريده الأردن من حراكه تجاه سورية، خصوصا أن الجزء الأكبر من مطالبه قد تحقّق، سواء بفتح طريق التجارة مع سورية وفتح طريق التجارة مع أوروبا ولبنان عبر سورية وتشغيل معبر نصيب، وكذلك تمرير خط الغاز العربي من سورية إلى لبنان. ويدرك صانع القرار الأردني أن بقية مطالبه من سورية، وخصوصا عودة اللاجئين وحصول الأردن على حقوقه المائية في حوض اليرموك، لا علاقة لها لا بالعقوبات الدولية، ولا بالموقف الغربي من النظام السوري!

الخشية أن يتحوّل الاستعجال الأردني في التطبيع مع نظام الأسد إلى ورقة يستثمرها الأخير، وتجد الخارجية الأردنية نفسها مضطرّة إلى القيام بدور شركة علاقات عامة لتبييض أفعال الأسد ومحو جرائمه وتقديمه بصورة جديدة في سورية، بذريعة أن الهدف خدمة عملية السلام السورية؟ فسؤال الصفدي عمّا إذا كانت هناك عملية سلام حقيقية في سورية يتضمن اتهامات واضحة لجهات غير النظام السوري بعدم الجدّية، وهو ما يتناسب مع السردية الروسية، بعدم واقعية المعارضة ولا جدّية واشنطن.

يستعجل الأردن التطبيع مع الأسد بأي ثمن، وفوجئ بخطوط حمر أميركية

الخشية أيضاً من أن تتحوّل قضية الاستعجال في التطبيع مع نظام الأسد إلى قضية إستقطابية بين الدول العربية التي ما زال كثير منها يرفض فكرة التطبيع من أساسها، ما دامت الأمور لم تتغيّر، ومن شأن ذلك أخذ الأزمة السورية إلى مكان آخر، خصوصا وأن الدول المؤيدة للتطبيع تفعل ذلك تحت شعارات كبيرة، من نوع مصلحة الشعب السوري والمصلحة القومية، لكن المؤكّد أن سبب رفع هذه الشعارات إدراك أصحابها صعوبة ابتلاع الرأي العام التطبيع مع نظام الأسد ما لم يتم تغليفه بقضايا كبرى.

ويجب الانتباه إلى ما أعلنه الصفدي من أن ما تحاول بلاده فعله هو "التأكد من وجود عملية سياسية جادّة ستؤدّي إلى إنهاء الأزمة"، فهل إذا تأكد الأردن من أن روسيا والأسد هما المعطّلان للعملية السياسية سيدفعه إلى التوقف عن التطبيع مع نظام الأسد، أم أن ذلك يخالف منطق الواقعية السياسية؟ ثم ما هي حدود التأثير الأردني، والعربي، في مخرجات العملية السياسية في سورية، حتى يستطيع تغيير الديناميكيات وتصحيح المسار؟