فيلم يواجه ديكتاتورية ترامب
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
انقسم المشاهدون بشان الفيلم الأميركي الذي يعرض هذه الأيام "معركة تلو أخرى"، للمخرج بول توماس أندرسون، وبطولة شون بن وليوناردو دي كابريو وبينيشيو ديل تورو وريجينا هول وتيانا تايلور. عبّرت عن هذا الانقسام تفاعلاتُ مواقع التواصل الاجتماعي، ومقالات بدأت تنشر تباعاً، إذ انقسم المشاهدون بين من شعر بملل (ولم يكمله) ومن ظلّ متردّداً مع توالي المشاهد الحامية والهادئة من دون توقّف. وسبب التردّد هو أن الفيلم لا تحكمه قصّةٌ مترابطةٌ، بقدر ما تحكمه الفكرة العامة المتعلقة بالمرحلة الترامبية، بكل هبوطها الأخلاقي وتخلّيها السافر عن القيم والأخلاق التي طالما سوّقتها الأنظمة الأميركية السابقة، وإن من باب الدعاية. ومن أبرز هذه القيم التعايش مع الآخر، بينما ظهرت أحداث الفيلم في سياق نبذ الآخر المختلف، خصوصاً السود والأميركيين اللاتينيين.
لاحظت في أثناء جلوسي في قاعة العرض أن عدداً من الحضور بدأ بالانسحاب بسبب غياب هذه الحبكة التقليدية التي اعتادوا عليها، بحثاً عن الإثارة الجاهزة. ولكن الذين أكملوا مشاهدة الفيلم، وصبروا لفهم الرابط في أحداثه (مدّة الفيلم حوالي ثلاث ساعات)، خرجوا مدهوشين من هول المشاهد والسرعة الميلودرامية، وكانت المشاهد متدفّقةً لا تترك لهاثاً إلى درجة أنك لو تلفّت قليلاً لَفاتَك مشهد مهم لا يمكن أن يتكرّر (مثلاً، مشهد عابر من فيلم معركة الجزائر ظهر في شاشة تلفزيون كان يشاهده بطل الفيلم).
إيقاع الفيلم مفتوح، يشبه إيقاع الحياة وتوالي مشاهدها العادية، ولكن هذه المرّة في سياق المطاردة والقفز في الفراغ. سنجد أيضاً اعتماد الفيلم على مشاهد المطاردات بين الشرطة (تمثّل النظام السياسي) ومن يواجهونها. وحتى بعد أن تهدأ الأمور، لا يهدأ البحث عن المتمرّدين من أجل حبسهم، وأحياناً تصفيتهم. يمتاز النظام العسكري في الفيلم بالقوة المفرطة والعنصرية والتمييز على أساس اللون، بينما من يلاحقون يتّصفون بالثورية والبراءة والتهميش.
يلخّص الفيلم في العمق انفعالات الهجرة والأقليات والسود واللاتينيين ومعاناتهم في الولايات المتحدة. سنجد في بداية المشهد ما يشبه ما حدث في "7 أكتوبر" (2023) من انفجار ضدّ الحصار والكفاح من أجل الحرية (... الحرية جوهر فكرة الفيلم)، حين يقترب الثوار من جدار خلفه جنود أميركيون نائمون. وتميّز الفيلم أيضاً بالأداء العالي للممثّلين، ويمكن أن نخصّ هنا الأداء المتماهي لشون بن، الذي أدّى دور ضابط شرطة اسمه "لوكاجو"، يتعقّب المتمرّدين (من أفارقة ولاتينيين في الأغلب)، وأدّى دي كابيريو دور الثائر "بوب"، الذي يعود إلى منظّمته (الفرنسي 75) بعد اختطاف ابنته. قبل ذلك يقرّر "بوب" أن ينعزل ويترك منظّمته، ويعيش مع ابنته في غابة منقطعاً عن العالم، بل إنه (إمعاناً في عزلته عن الماضي النضالي)، يدمن الكحول والمخدّرات. رغم ذلك، لم ينجُ من الملاحقة، ما اضطرّه إلى الهروب والاختباء. وهنا تنكشف مطاردة جديدة في الفيلم.
كان للموسيقى التصويرية المتقنة، والمنسجمة مع أحداث الفيلم، دور في جعل المشاهد "على أعصابه". وفي أثناء هروبه، يلتجئ "بوب" إلى صديق قديم من أصول لاتينية، فيخفيه في مأوىً سرّي خاصّ باللاجئين غير الشرعيين، الذين يعيشون في حالة تَحفُّز شديدة (طوال فترة مكوثهم) لاحتمال اقتحام الشرطة في أيّ وقت المكان، لنرى ردّات فعل وركضاً عند سماع أي صوت لسيارة شرطة، حتى إن كان ذلك الصوت وهماً. مطاردة أخرى طويلة في الفيلم تتعلّق بضابط الشرطة "لوكاجو"، الذي يطارد ابنة "بوب" لقتلها. سنجد أن الشرطة تتحوّل عنصرَ إجرام تطارد الناس الآمنين إلى درجة سلب الحياة منهم، وكأنّ الفيلم نبوءة بمآلات المرحلة الترامبية أو عصر اليمين المتطرّف، الذي نرى أبرز تجلّياته في ما حدث في غزّة من قتل مجّاني للأبرياء من جميع القطاعات المهنية، وفي مختلف الأعمار، بمن فيهم الخدّج والرضّع، وبدعم أميركي مفتوح.
فيلم معركة تلو أخرى سيدخل التاريخ ويحرز جوائز سينمائية عديدة، نظراً إلى جدّة فكرته العامة، وللإتقان الشديد لممثّليه، بمن فيهم أصحاب الأدوار الثانوية العابرة الذين تماهوا مع أدوارهم السريعة، إلى درجة أن المشاهد يشعر بأنه في قلب معركة الحياة الحامية التي لا يعرف في أيّ لحظة يمكن أن تنفجر فجأة.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية