فيروس ولقاح لكلّ إنسان

فيروس ولقاح لكلّ إنسان

29 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أصبح العالم فجأة أمام نسخةٍ مختلفةٍ من الفيروس التاجي الذي هزّ العالم وغيّر قوانين الحياة على الكرة الأرضية. تعاطى العالم مع هذا الإصدار الجديد المسمّى "أوميكرون" بشكل جد مختلف عن النسخ السابقة، بل بصورة مغايرة لما تم في الأسابيع الأولى لظهور كوفيد - 19. ففي وقت قياسي، تحرّك العالم وصار يسابق الزمن لاتخاذ إجراءاتٍ عاجلة، لمنع انتشار المتحوّر الجديد، بعد ظهوره للمرة الأولى في جنوب أفريقيا. ولعل القارئ يتذكّر أنّ العالم كله لم يعترف رسمياً بوجود نسخة مستجدّة من فيروس كورونا المتحوّر إلا مطلع فبراير/ شباط 2020، بعد أكثر من شهرين على ظهور أعراض الفيروس في مقاطعة ووهان الصينية ووفاة مئات بسببه، قبل انتقال العدوى إلى دول عدة في أنحاء مختلفة من العالم. 
لكنّ ظهور أكثر من نسخة متحوّرة عن فيروس كورونا يثير تساؤلات كثيرة بشأن طريقة إدارة الدول والحكومات أزمة كورونا خلال العامين الماضيين، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير اللقاحات، وإجراء بحوث وتجارب علمية عن فعاليتها، فالمشهد العالمي الحالي يحمل مفارقةً لافتة، حيث تجتاح العالم "حمّى التطعيم" بما يقرب من خمسة أنواع من اللقاحات. وصار التطعيم إجبارياً في معظم الدول، على الرغم من اعتراض شعوبٍ كثيرة على سياسة التطعيم القسري. وقد اتجهت الدول، على نحو مفاجئ، إلى تغيير دفّة إدارة الأزمة، من الإغلاق وتبنّي الإجراءات الحمائية والتحفظية إلى الفتح العام من دون قيد أو شرط، مع الالتزام بتطعيم كلّ فئات المجتمع، بما فيها فئة الأطفال الأقل من 18 عاماً.
وأول ما يلاحظ هنا أن ذلك التحوّل في إجراءات معالجة الأزمة سهل تفسيرُه بالأسباب الاقتصادية التي جعلت العالم يهرب من الإغلاق وما يُحدِثه من خسائر كبيرة إلى التطعيم للوقاية من الفيروس. لكن التوسّع في عمليات التزوّد باللقاح والإصرار على أن يكون إجبارياً، سواء داخل كل دولة أو عند السفر والتنقل بين الدول لهو أمر غريب، خصوصاً في ظلّ عدم ثبوت فعالية كاملة لأي من تلك اللقاحات. ولا بد هنا من تذكّر أنّ هناك ثلاثة أنواع لتلك اللقاحات من الناحية العلمية وآلية تفعلها مع الفيروس. ولم يكفل أي منها حماية كاملة ضد الفيروس، بل إن بعضها لم يمنع الإصابة بالفيروس بعد التلقيح. والسبب، ببساطة، أن مباشرة استخدام تلك اللقاحات تمت على عجل من دون التطبيق الكامل للبروتوكولات العلمية المتعارف عليها دولياً لإقرار اللقاحات والأمصال الجديدة. وهو ما يجعل المراقب ينظر بعين الريبة إلى عملية التلقيح الجماعي التي تتم لكل الشعوب تقريباً، كما لو كان هدفها ليس الوقاية الفعلية، وإنما استكمال التجارب والأبحاث العلمية التي لم تكن قد اكتملت، بدليل الاتجاه إلى زيادة جرعات التطعيم من واحدة إلى اثنتين، ثم حالياً يتم ترويج ضرورة أخذ جرعة ثالثة معزّزة. ويمكن بسهولة توقع أن يصبح لقاح كوفيد - 19 مقرّراً سنوياً في بلدانٍ كثيرة، مثل مصل الإنفلونزا.
ومما يستجلب مزيداً من التساؤلات، أن الحديث الجاري عن النسخة الجديدة "أوميكرون" جاء مصحوباً على الفور بحديث موازٍ عن تطوير لقاحات مضادّة له، فإن كان المتحوّر الجديد مفاجئاً حسبما يفترض بالطبع، من أين الثقة في إيجاد لقاح له خلال مائة يوم، كما أعلنت بعض شركات الأدوية قبل يومين؟!
هذه التطورات الغريبة، بل المتناقضة، توحي بأمر لا يزال غامضاً، وربما سيبقى كذلك. وتشي بأنه ربما خلال أعوام قليلة سيشهد العالم ظهور وانتشار فيروسات جديدة ولقاحات كثيرة، أياً كانت حقيقة الفيروسات وجدوى اللقاحات.