فيروس أقوى من جميع المضادّات
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
(Getty)
اشتكى الإعلامي المغربي عبد الصمد بن شريف (قبل أيام في صفحته في "فيسبوك") من حالة سعال وزكام لم تعدْ عابرةً، عجزت عن إزاحتها مختلف الأدوية والمضادّات والوصفات الطبّية التي التزم بها بالحرف، من دون أدنى سهو أو غفلة. في الحقيقة، نحن أمام حالة صحّية لم تنل الاهتمام الكافي. أزمة سعال ورشح تدور في الخفاء لتلتصق وتسكن في صدور من تشاء، وكأننا لم نتجاوز بعد جائحة كورونا إلا في مستواها الإعلامي، ونحن نتذكّر الإعلام بوسائله ووسائطه وقد جُيِّش في العالم من أقصاه إلى أدناه للحديث عن الفيروس الغريب (كوفيد- 19) من أجل البحث له عن لقاح، رغم أن كثيرين لم تتجرّع أجسادهم هذا اللقاح ورفضوا أن يأخذوه. أعرف ضمنهم مجموعة من الأقارب، وبعضهم كبير في السنّ، دفعته فطرته الحذرة والمُتطيِّرة إلى الاعتقاد بأن هذا كلّه ليس سوى "حديث خرافة"، ولعبة كونية يرفض أن يشارك فيها بأيّ شكلٍ، حتى وإن دفع حياته ثمناً، وهم بعد ذلك سلموا من أيّ أذىً في ذلك الوقت. الحالة الحالية من الفيروس الصدري المُنتشِر أقلّ فتكاً من كوفيد ـ 19 (حتى الآن على الأقلّ)، ولكنّه لا يقلّ إتعاباً ومعاناةً لمن يصاب به.
يعاني كاتب هذه السطور منذ نحو شهرَيْن من سعال لا يتوقّف، وخصوصاً في الليل، وقد أنهى جميع "كورسات" العلاج من مضادات حيوية ومسكّنات، بل وصل حتى إلى الأدوية الشعبية والبيتية من سوائل بعضها حارق بسبب مادته البهارية، ولكن لا فائدة، فيشعر المرء أنّنا أمام داء خبيث متحوّر وذكي يراوغ مختلف المضادّات الحيوية التي من عادتها سابقاً أن ينتهي معها المرض أو الحالة حتى قبل أن ينهي المريض حصّته كاملةً من العلاج، وتدخل بعد ذلك مسألة إتمام العلاج من عدمه في باب الاحتياط والتجاوز نهائياً للمرض. بل أعرف أشخاصاً أخذوا مضادات سنوية حتى لا يقربهم الزكام، لكن هذا الفيروس الخفي زارهم وسكن صدورهم، ولم يغادرهم بعد. ومن خلال التجربة يمكن لهذا المرض، وبعد أن تنتهي جميع حصص العلاج التي تستمرّ ثلاثة أسابيع حاميةَ الوطيس، أن يدخل معك في هدنة لا يلبث أن يخترقها بين لحظة وأخرى، لترى نفسك في لحظة تظنّها سلاماً، فإذا بصدرك يهتزّ في زلزال متوالٍ هزّاتٍ عنيفةً، وأحياناً تكون في مكان عام أو بين أناس في العمل فتضطر إلى الانسحاب، ولكن لا تعرف إلى أين.
تحضر هنا رواية "كتاب الضحك والنسيان"، للتشيكي ميلان كونديرا، الذي تتميّز رواياته بالذكاء الحادّ والمزج الدقيق بين الوثيقة والسبر النفسي والفلسفة والخيال، وجزء من الرواية توثيقي لحالة سياسية واقتصادية كانت تعيش فيها بلد الكاتب بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا) زمن السوفييت. أُطيح ذات يوم الرئيس الموالي لحلف وارسو نتيجة فضيحة فساد، عاش الشعب في أثناء ذلك موجة من الأفراح ما لبثت أن انطفأت بدخول قوات الحلف لتعيين حليف جديد لها. والخشية أن يكون هذا ما يحدث بعد فسحة غياب كورونا، حين يأتي زائر جديد لم يُحدَّد اسمه بعد ليقضي على انفراجة ما بعد كورونا. داء ثقيل يسكّن "المطارف والحشايا"، حسب شطر بيت للمتنبي، ويرفض أن يغادرها بكل وسائل الدفاع والأدوية.
بعد أن أنهى كاتب هذه السطور من مضادات وأدوية المركز الصحّي الحكومي، والتزم حرفياً بتوصيات الوصفة، لجأ إلى مستشفى خاص، مُمنِّياً النفس بأن تكون أدويته أكثر قوة، ومضاداته التجارية أقوى على الفتك بالفيروس، ولكن النتيجة واحدة: انتهى الدواء والفيروس ساكناً في الصدر. يخفت أحياناً وينتفض مراراً، وخصوصاً في الليل، الذي يتحوّل أرقاً متقطّعاً. وحين أسأل أصدقاءَ وأقاربَ إن كان أحدٌ فيهم شعر بما انتابني، يكون الجواب إيجابياً، فـ"لست وحدي أمام الجبل"، حسب مقطع شعري لقاسم حدّاد، إنما هناك آلاف غيري، بل أقام بعضهم في المستشفى أياماً بسبب ضعف مناعته، إلى أن خفّ مرضه قليلاً، ولكنّه حتى بعد أن عاد إلى بيته، لم تفارقه النزلة، بل عاش هذه الهدنة الخادعة التي تحصل مع تقطّعات المرض وإقامته الطويلة في الأجساد.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية