فيروز والشعب والدولار

فيروز والشعب والدولار

29 يونيو 2021
الصورة

(بطرس المعرّي)

+ الخط -

من الممكن قياس الحرارة الآنية لمجتمعٍ ما بنوعية التعليقات والنقاشات وردود الفعل التي تملأ صفحات وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تبخل وسائل أخرى في تسميتها وتحديد مراتبها تحت مفردة "تريند". الأسبوع الفائت مثلاً في لبنان، كان أسبوع فيروز والدولار وطوابير الذلّ التي تزداد يوماً بعد يوم، هذا فيما "الشعب" يموج ولا يهوج، منقسماً على ذاته، بين نائحٍ ونادبٍ بلادَه المسكينة التي لا تستحقّ كلّ هذا التدمير والهوان، وغاضبٍ ومقهورٍ، لائماً ذاتَه بذاته، ذلك "أنّنا شعبٌ من الخراف" و"الحق كلّه على الذين انتخبوا هذه الطغمة الفاسدة"، و"إلى متى هذا العذاب؟". أجل، الشعب اللبناني يموج ولا يهوج، وقد نظلمه إن قلنا إنّه لم يحاول أو لم يفعل، وقد أُجهضت ثورتُه التي شارك فيها أكثر من مليون ونصف مليون على مرأى من الجميع، وقد قُصّت أجنحتُه وقُصف ظهرُه فيما الدولار يحلّق أمام عينيه عالياً، متجاوزاً عتبة 18.000 ليرة، ومتجّهاً نحو رقمٍ صعبٍ آخر، سبق أن بشّرتنا به تحذيراتُ البنك الدولي، إن لم تعمد الحكومة "الممنوعة" إلى القيام بإصلاحات...
يموج الشعبُ اللبنانيُّ ولا يهوج، إذ نراه مصطفّاً دونما مقاومةٍ في "طوابير الذلّ" التي تملأ طرقاتِ البلاد أمام محطّات الوقود، مسبّبة ازدحاماً خانقاً، فيما شمسُ حزيران (يونيو) ترتفع في السماء ضاربةً بإزميل حدّتها الرؤوس المتعرّقة، وجمالُ ما بقي من زرقةٍ وبرودة هواء يزيد من قسوة الشعور بالخسارة والمهانة واللامعنى. تقنين تيار كهربائي لم يعد يأتينا أكثر من ساعتين في اليوم، وتحذيرات أصحاب المولّدات من تقنينٍ ثانٍ سيتزايد بسبب شحّ المازوت وارتفاع سعره، وصيدليات مقفلة تُحصي ما بقي لديها من أدويةٍ قبل رفع الدعم عنها، ومجمّعات تجارية تفرغ من موادها، وأهالٍ يلوبون على علبة حليبٍ لرضّعهم... القائمة تطول، والآتي أعظم كما يقولون، وأحاديث عن ماراثونات تلقيح ضد كوفيد، ومتحوّر جديد قد يأتي إلينا مع مغتربينا الذين يشتاقون إلى بلادهم وأهاليهم، وننتظر نحن دعمهم ودولاراتهم بفارغ صبر. العبثُ سيّد الموقف في بلادٍ تُقصي فقراءها المتزايدة أعدادُهم ككرة الثلج، بينما تفتح ذراعيها لمن لا يتجاوز عددُهم أكثر من 5% من ميسوري الحال، وأيضاً لمن يزورنا من سيّاح طامعين برخصنا واعتدال مناخنا وانفتاحنا واحتفالاتنا التي تخبر عن رغبتنا في العيش وقدرتنا على البقاء وحبّنا الاستثنائي للحياة.
لكن، يموجُ الشعبُ إياه ويهوج، إذ تنشر الابنةُ ريما الرحباني صورةً لوالدتها السيّدة فيروز وهي بمعيتها، بشيءٍ من الارتجال والعفوية، وخصوصاً بكثير من السخاء غير المعروف عن فيروز "البخيلة" بظهورها وصورها وأخبارها، فتشتعل وسائلُ التواصل الاجتماعي ضد ومع، هذه "اللقطة البيتية" بامتياز، حيث تظهر فيروز امرأة "حقيقية" بشكلها وعمرها وابتسامتها المرسلة بالطبع إلى محبّيها ومريديها الكثر، في ما يشبه تقدمةً أو هديةً تقول: هذا أنا، هذا نحن، يكفي تخفٍّ وتوليف وتخييل وإيهام. وقد ينطبق قولُها هذا أيضاً على لبنان، حيث وجب أن نكتفي تفخيماً وغشّاً واختباءً وراء إصبعنا الصغير. أجل، هذه حقيقتنا أخيراً، بماكياجٍ خفيفٍ لا يحوّل الوجهَ، وإن أبقى على هيبته وكرامته. ظهرت فيروز بشعرٍ طبيعيّ، وبخطّ كحلٍ خفيف فوق الهدبين، ولونٍ هادئ على شفتيها المبتسمتين. وظهرت ريما بجانبها مثلما هي، لأنّ الصورة هي صورة أمّ ثمانينية مع ابنتها الخمسينية. فيروز السيّدة والأمّ اللبنانية والمرأة المتقدّمة في العمر متخلّصة من صورتها الأخرى بوصفها "سفيرتنا إلى النجوم" و"الصوت الملائكي"، وما إلى هنالك من أوصاف تضعها فوق مصافّ البشر العاديين. وقد يكون وراء هذه الصورة تدهور الأوضاع التي آل إليها لبنان، متخلّصاً هو الآخر من صورته المثالية المجمّلة بوصفه "سويسرا الشرق"، و"موطن الحريات"، و"بلاد الثقافة والعلم" و"مستشفى الشرق الأوسط"...
لقد آن لنا أن نواجه انحلالَ صورتنا، لا بل تفسّخها واهتراءها على جدار زمنٍ يخلفنا وراءه من دون مهادنة أو رحمة. لقد آن الأوان لأن نعترف بانهيارنا الضارب في الأرواح، وبيومنا حالك السواد، فلربما أمكننا، أخيراً، أن نهتدي باعترافنا الموجع هذا إلى مخرجٍ من ليل نفقنا الطويل.