فوضى مواجهة كورونا في تونس

27 سبتمبر 2020
الصورة

نساء تونسيات يرتدين أقنعة واقية في قابس جنوب غرب تونس (26/8/2020/فرانس برس)

عندما سجلت تونس الحالة الأولى للإصابة بفيروس كورونا يوم 2 مارس/ آذار الماضي، لم يكن لدى القائمين على شؤون البلاد تصور واضح لما يجري، أو لمآل هذه الجائحة، فقد كان التصور السائد أن الأمر يتعلق بنسخة جديدة من الإنفلونزا ليس أكثر. ووصل الحال برئيس الجمهورية، قيس سعيد، في خطابه في 17 مارس/ آذار، أن تحدّث عن نهاية مرتقبة للوباء في غضون أسبوعين ليس أكثر. ولكن مع تطور نسق الإصابات، وتحذيرات منظمة الصحة العالمية، وفي ظل ضغط الرأي العام، اتجهت الحكومة نحو فرض الحجْر الشامل يوم 23 مارس/ آذار، على الرغم من تحفظ رئيسها حينها، إلياس الفخفاخ، بدعوى الآثار السلبية للقرار على الاقتصاد الوطني.

من خلال السياسة الوقائية القائمة على فرض حظر شامل، وإيقاف الرحلات الجوية والبحرية، وسياسة حاسمة في منع التجمعات البشرية في مختلف المجالات والنشاطات، تمكّنت تونس، في غضون شهرين، من التحكّم في نسق الإصابات، والحد من الوفيات في ذلك الوقت، وصولاً إلى لحظة إعلان وزارة الصحة عدم تسجيل أي إصابة بالفيروس يوم 10 مايو/ أيار 2020، ولتتوقف الحصيلة عند 1035 إصابة و45 حالة وفاة، وهو ما اعتبره المراقبون إنجازاً تونسياً مهمّاً، ستكون له آثار إيجابية بالنسبة لبلد محدود الموارد، ويعاني من أزمات في القطاع الصحي لا يمكن إنكارها.

وتدريجياً بدأت تعود الحياة الطبيعية للبلاد، وتم استئناف العام الدراسي تدريجياًن في ظل حالة من الروح المعنوية العالية، وهو ما تجلّى في حملة تبرّعات ساهم فيها المواطنون والمؤسسات الاقتصادية في البلاد ليصل مجموع التبرّعات يوم 21 إبريل/ نيسان إلى 194 مليون دينار تونسي (62 مليون يورو)، وكان الهدف دعم البنية التحتية للجهاز الصحي في البلاد.

قرار فتح الحدود من دون ضوابط، بداية من يوم 27 يونيو/ حزيران، كان اللحظة الفارقة في إعادة تخليق الأزمة وانتشار الوباء

مع تراجع الوباء، لم يكن لدى حكومة الفخفاخ تصور واضح للمرحلة، وأن تحقيق صفر إصابة بفيروس كورونا قد يشكّل فرصة لمزيد من تعافي البلاد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تعيشها تونس، غير أن قرار فتح الحدود من دون ضوابط، بداية من يوم 27 يونيو/ حزيران، كان اللحظة الفارقة في إعادة تخليق الأزمة وانتشار الوباء. كان قراراً عشوائياً تم اتخاذه على أساس فكرة أن بلداً خالياً من كورونا سيكون نقطة جذب مهمة في المجال السياحي، من دون مراعاة الوضعية السيئة التي ما زالت تعمّ باقي البلدان، خصوصاً الأوروبية منها، وهي الشريك السياحي الأول لتونس. وبقدر ما كانت فكرة الاستفادة من خلو البلاد من الوباء للتسويق السياحي ساذجةً، وغير ذات جدوى، بقدر ما كانت كارثية بكل المقاييس، فلم تحقق تونس كسباً اقتصادياً يُذكر في المجال السياحي، إذ لم تشهد الإقبال المتوقع. وفي الوقت نفسه، عرفت البلاد عودة غير محسوبة للتونسيين المقيمين في الخارج. وفي غياب الرقابة الحازمة من أجهزة حكومة تصريف الأعمال برئاسة إلياس الفخفاخ، تصاعدت وتيرة الإصابات، وبشكل غير مسبوق، في كامل أنحاء البلاد. ففي غضون أسابيع قليلة، تضاعفت الإصابات، وارتفع عدد الوفيات بما يتجاوز العدد الذي تم تسجيله خلال شهور الحجْر السابقة. والأسوأ أن هذه الحالة كشفت عن غياب سياسة صحية واضحة في البلاد، وزاد تفاقم الوضع مع مجيء ما تسمى حكومة الكفاءات، برئاسة هشام المشيشي التي ورثت قراراتٍ فوضوية للحكومة السابقة في أيامها الأخيرة. وفي الوقت نفسه، تعاملت هي ذاتها مع الوضع بنوعٍ من الخفّة وسوء التقدير، ما جعل مدناً بكاملها مهددة بخطر انتشار الوباء، فيما ارتفع عدد الإصابات إلى أكثر من 13 ألف إصابة في وقت وجيز.

كأن وزراء الحكومة لا يرغبون في اتخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ تحدّ من انتشار المرض

أكيد أن الحكومة الحالية ليست في وارد العودة إلى حالة الحجر الشامل على شاكلة ما حصل في شهر مارس/ آذار الماضي، غير أن السيئ في الموضوع غياب الخيارات السليمة في مواجهة انتشار الجائحة، في ظل بنية صحية مهترئة، وحصول إصابات ووفيات في صفوف الطواقم الطبية. وخلافاً للوزراء المنتمين إلى الأحزاب، ممن يحسبون حساباً للرأي للعام، بدا وكأن وزراء الحكومة الحالية لا يرغبون في اتخاذ إجراءاتٍ حاسمةٍ تساعد على الحد من انتشار المرض. 

الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد كشفت عن فوضى القرارات السياسية، وعدم استجابتها لتطلعات المواطنين، ومنذ اللحظة التي تم فيها اتخاذ قرار فتح كلي للحدود، من دون إجراءات وقائية، وعدم استفادة حكومة الفخفاخ في حينها من حالة الالتفاف الشعبي عبر التبرّعات لتطوير المستشفيات، وتوفير الحد الأدنى الضروري لعمل الطواقم الطبية، ووصولاً إلى حكومة هشام المشيشي التي تركت الوباء يستشري، في نوع من اللامبالاة غير المفهومة، لم يبق لدى المواطن التونسي سوى التعويل على إمكاناته الذاتية، للوقاية من العدوى والضغط في اتجاه أن تتخذ الحكومة القرارات اللازمة للتحكّم في نسق انتشار الوباء، الانتشار المؤكّد اليوم وليس غداً.